النص الكامل لكلمة الأستاذة أمينة اهنيدة أمام المؤتمر الوطني الثاني لمنظمة المرأة الفاضلة

0 405

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه

حضرات السيدات والسادة،

ضيوف مؤتمرنا الأجلاء، ممثلي المنظمات النسائية والأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني والإعلام الوطني، مناضلاتنا القادمات للمشاركة في المؤتمر من مختلف أرجاء الوطن وربوع البلاد، ممثلات وممثلو مغاربة العالم من جاليتنا المقيمة في المهجر، السيد محمد خليدي أمين عام حزب النهضة والفضيلة المحترم.

يسرنا اليوم ونحن في افتتاح مؤتمرنا الوطني الثاني، أن نرحب بحضوركم الكريم، الذي يعد بحق دعما لهذه المحطة النضالية والتنظيمية الواعدة، والتي نتوخى من خلالها دعم مشاركة المرأة المغربية في مسار الإصلاح السياسي والاجتماعي الذي تعرفه بلادنا، وتحدي الصعوبات الجمة التي تعترض استكمال مسيرة الكرامة التي خاضتها نساء المغرب منذ فجر الاستقلال وإلى اليوم.

أيها الحضور الكريم،

يعد المؤتمر الوطني الثاني لمنظمة المرأة الفاضلة، جزءا من رؤية متكاملة صاغها حزب النهضة والفضيلة من أجل تعزيز حضوره الوطني عبر تنظيماته الموازية الممثلة لمختلف الفئات الاجتماعية والقطاعات النشيطة داخل المجتمع، ومن هنا يأتي اهتمام الحزب بالقطاع النسائي الذي يعد داعما حقيقيا للعمل السياسي والاجتماعي، من خلال النضالية العالية التي تتميز بها المرأة المغربية والتي برهنت عليها في مختلف مواقع الفعل والتأثير والقيادة التي تبوأتها وأثبتت فيها كفاءتها ومردوديتها وتضحياتها النبيلة من أجل تعزيز مكاسب البلاد ونهضتها الحضارية.

ولا يفوتنا ونحن نفتتح هذا المؤتمر أن نؤكد على مواقفنا الثابتة تجاه أوضاع المرأة المغربية كجزء من معادلة التنمية الشاملة وتحقيق العدالة الاجتماعية وتنزيل مقتضيات دستور البلاد خاصة في ما يتعلق بتطبيق مبدأ المناصفة والمساواة وتكافؤ الفرص بين كافة مكونات المجتمع، وإعطاء دور أكبر للمرأة في النهضة الوطنية عبر دعم كل أشكال النضال الحقيقي لتحرير المرأة من بؤسها الاجتماعي، حيث نعتقد أن كل أشكال استغلال المرأة يمكن مواجهته بالرفع من مستوى التعليم والتأهيل وانتشار الوعي والتحسيس والتثقيف والتوظيف.

وانطلاقا من مرجعيتنا الإسلامية، وإيمانا منا بضرورة مواكبة التطورات الحاصلة في نية المجتمع، وإسهاما منا في النقاش العمومي حول إصلاح أوضاع المرأة وتطوير المنظومة القانونية الخاصة بالأسرة، فإننا نؤمن بضرورة الاجتهاد في كل القضايا المتصلة بها، ونعتقد بأن المرجعية الإسلامية توفر مجالا واسعا للإجابة على المطالب الملحة التي يفرضها المجتمع الحديث، وأن الكثير مما تضمنته الشريعة الإسلامية للمرأة لم تظفر به المرأة بعد، لذلك فإننا نرى أنه لا إمكانية للحديث عن إصلاح المرأة والأسرة إلا من داخل منظومتنا الإسلامية وآفاقها الاجتهادية الرحبة التي هي أجدى السبل من أجل صياغة مستقبل أفضل للإنسان المغربي عامة وللمرأة المغربية على الخصوص.

حضرات السيدات والسادة،    

لقد أطلق جلالة الملك محمد السادس دينامية جديدة بإعلانه عن إطلاق مسلسل تحديث النموذج التنموي المغربي، وهنا ينبغي أن نرفع شعار أنه لا تنمية ولا نموذج تنموي بدون تفعيل قيمة المرأة والأسرة في المجتمع، وذلك على أساس أن النساء شقائق الرجال، وعملا بمبدأ التمييز الايجابي لصالح المرأة، ومساهمة المرأة الفعالة في عجلة التنمية، وتحقيق المناصفة الكاملة  بين الرجال والنساء، والقطع مع عقلية الكوطا التمييزية بتفعيل تكافؤ الفرص بين الجنسين، وترسيخ مبدأ المكاسب بحسب الجهد والإمكانيات، وتطوير المنظومة القانونية لحماية المرأة من العنف الجسدي والرمزي، وتفعيل النظرة التكاملية للأسرة على أساس أن قوة المجتمع المسلم تكمن في نواة الأسرة، وعلى أساس النظام الأسري والتضامني العائلي في الإسلام، مع ضرورة التفاعل الإيجابي والخلاق مع المكتسبات التي تحققت للمرأة، وما أفرزته المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، مع إبداء التحفظ على الأبعاد الفلسفية والإيديولوجية المتعارضة مع مقاصد الشريعة الإسلامية.

وإن أهم قناعة يجب أن يبنى عليها النموذج التنموي الجديد، هي أن الاهتمام الحقيقي بالمرأة والطفل والشباب هو أهم مفاتيح التغيير الاجتماعي، غير أن الاهتمام والتركيز على المرأة هو العنصر الأهم على الإطلاق، ليس لثقل هذا العنصر كميا فقط، وإنما أيضا للتأثير النوعي الذي تحدثه هذه الشريحة على مستقبل المجتمع بأجياله المتعاقبة وبقدرته على العطاء والتطور والإنتاج، ونذكر هنا على سبيل المثال أن الأرقام الرسمية تشير إلى أن النسبة التي تمثلها المرأة المغربية من مجموع الأطر العليا، نسبة جد متميزة وإيجابية، حيث تجاوزت نسبة 70 في المائة من مجموع الأطر العليا، وتمثل النساء نسبة تلامس 60 في المائة في قطاع التربية الوطنية، ونسبة 46 في المائة من الأطباء، وحوالي 42 في المائة من الصيادلة و 32 في المائة من مستخدمي قطاع الصحة، وحوال 35 في المائة من القضاة و16 في المائة من المحامين، كما أن للمرأة المغربية حضورا وازنا في كل القطاعات ومجالات العمل والإنتاج بما تستحق معه المزيد من المكاسب والإصلاحات في أوضاعها، وإدماجا أكبر في عملية التنمية التي تعد المرأة إحدى مفاتيحها وأسسها الاجتماعية.

ولا يفوتنا أن ننبه إلى ضرورة إيلاء النموذج التنموي الجديد عناية خاصة بالمرأة العاملة في القطاع الخاص، حيث يناهز عدد النساء العاملات فيه مليونا ونصف المليون امرأة، في قطاعات صناعية الكثير منها غير مهيكل، تتعرض فيه المرأة للاستغلال واستنفاذ الطاقات دون مراعاة لحقوقها الأساسية، وهو نفس الوضع الذي تعيشه المرأة القروية في مختلف البوادي والأرياف، حيث ظروف الحياة القاسية، وفرص العمل الضئيلة، والأعمال الفلاحية الدائمة والموسمية الشاقة، دون وجود أدنى ضمانات للتغطية الاجتماعية والعيش الكريم، هذا مع التأكيد على ضرورة تمكين المرأة القروية من فرصتها كاملة في التعليم والتحصيل العلمي ومحاربة الأمية والتكوين في كل مجالات العمل والتنمية.

ولا يمكننا أن ننسى المرأة المغربية المهاجرة، التي أبهرت العالم بطاقاتها وقدراتها، واستطاعت أن تحافظ على ثقافتها المغربية وهويتها الإسلامية الأصيلة، وصنعت إلى جانب أخيها الرجل مكانة متميزة للمهاجر المغربي في كل أصقاع العالم، وعليه فإن النموذج التنموي الجديد يجب أن يتضمن أبعادا واضحة للدفاع عن وضعية المرأة المهاجرة، وإنشاء بنية استقبالية ملائمة لها في وطنها، سواء على مستوى فرص الاستثمار أو الاندماج الاجتماعي.   

ولقد حان وقت تعزيز مشاركة المرأة في العملية السياسية، بحيث يفتح لها مجال تمثيلية أوسع في قيادة الأحزاب السياسية، وفي المجالس النيابية، وفي العملية الانتخابية، التي نتمنى أن يتطور مجتمعنا ليخرج المرأة من صندوق اللائحة الوطنية التي هي تكريس لعقلية الكوطا بشكل آخر، وندعو في هذا الصدد إلى مواكبة العمليات الانتخابية بحملات توعوية يتم خلالها تحسيس المواطن المغربي بضرورة وضع الثقة في المرأة المغربية التي هي رمز الثقة والعطاء والتضحية والتفاني في خدمة الصالح العام.  

وإن المرأة المغربية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى لاقتحام مجالات العمل العام، في الحقلين السياسي والمدني، وفي مجالات البحث العلمي والثقافة، إذ لا إصلاح سياسي واجتماعي دون تمكين المرأة من لعب دورها كاملا في قيادة المجتمع نحو التقدم والرفعة والازدهار.

 أيتها السيدات أيها السادة،

تعيش المرأة الصحراوية المختطفة من طرف عصابات البوليساريو في مخيمات العار أوضاعا مأساوية، بسبب ظروف الحصار المفروضة عليها ضدا على كل الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية الداعية إلى احترام حرية وكرامة المرأة وعدم استغلالها في الصراعات والحروب والأطماع العسكرية والنزعات الإيديولوجية الهدامة، لذلك فإننا ننادي بأعلى صوتنا: أطلقوا سراح أخواتنا المختطفات في تيندوف والمخيمات، فبلادهن في حاجة إليهن، بلادهن حضن لهم ولأولادهن، والمغرب هو موطن عطائهن والحضن الطبيعي لحاضرهن ومستقبلهن.

ولا يفوتنا بهذه المناسبة أن نحيي نساء مدينتينا السليبتين سبتة ومليلية، هاتان الجوهرتان اللتان ندعو إلى تحريرهما من ربقة الاستعمار الاسباني وإنهاء معاناة طويلة الأمد تعد وصمة عار على جبين جارتنا الشمالية في العصر الحديث.

وعلاقة بموضوع الاستعمار والهيمنة، نتابع بإجلال وإكبار نضال المرأة الفلسطينية وكفاحها من أجل التخلص من نير الاحتلال الصهيوني البغيض، حيث تعيش المرأة الفلسطينية أوضاعا مزرية في ظل استمرار الغطرسة الصهيونية المدعومة من القوى الكبرى، ويستمر مسلسل القتل والتشريد والتهجير في حق شعبنا الفلسطيني، لتضرب المرأة الفلسطينية أروع الأمثلة في الصبر والتضحية والجهاد من أجل تحرير الأرض والإنسان، فتيحة لها شهيدة وأسيرة ومناضلة، تحية لأخواتنا في القدس وكافة أرجاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسيرا على درب التحرير.

كما نساند وبشدة، أخواتنا في بؤر التوتر والنزاعات، في سوريا والعراق وليبيا ومختلف الأقطار العربية والإسلامية التي تتعرض فيها المرأة لأبشع أنواع المعاناة والاضطهاد.

أيتها السيدات والسادة،

إن مبتغانا أن يكون مؤتمرنا هذا محطة فاصلة، نحقق من خلالها هدفنا في تشكيل قوة اقتراحية فعالة، محطة جديدة في مسيرة حياة المرأة المغربية لتحقيق تطلعاتها وتعزيز حضورها الحقيقي في مختلف المجالات والنهوض بواقعها المعيشي، واضعات أملنا في مناضلاتنا اللواتي كلهن عزم وثقة في المشاركة الإيجابية والفعالة في خدمة وطنهن ومصالحه العليا، فتحية لكن ولكم، ومعا نحقق شعار مؤتمرنا الوطني الثاني:

“وراء نهضة مجتمع .. امرأة فاضلة رائدة”.

والسلام عليكم ورحمة الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.