الحاج ابراهيم كمال رجل مرحلة

0 164

توفي الرجل ورحل بعمله ولا يبقى بعد الرحيل إلا العمل: إذا مات ابن آدم انتهى عمله. لكن العمل الصالح هو الذي يدوم لأن الأجيال تذكره. ولا يجب أن تمر هذه المناسبة دون أن نذكر للرجل بعض ما عمل.

كلما التقيناه كان يحكي لنا بعض ما جاهد به أيام المقاومة ضد الاستعمار، وعندما عرفناه كان رجلا بسيطا لا يملك من متاع الدنيا إلا ما يملكه رجل تعليم في حينه. كان يسكن في بيت وظيفي يتسع بالكاد لعائلة صغيرة. وهنا في هذا البيت وفي سنة 1974 كان يستقبلنا بترحاب لا ينسى، وكنت أذكر له استقباله هذا كلما التقيته وحكيت هذا لزوجته عندما التقيته لآخر مرة وفرحت بالقصة.

كنا نأتي من أحياء من هوامش البيضاء وكان يستقبلنا بطعام لذيذ كنا نشتاق له ونحن نأتي عنده، كان عبارة عن خبز نسميه نحن بالباريزيان مدهون بالمربى الحلو والزبدة مع كؤوس شاي، وكان يترك لنا الوقت الكافي لنأكل، وبعدها نبدأ الحصة التربوية.

كانت الحصة عبارة عن سيرة أو تفسير أو قراءة لمقال في بعض المجلات المشرقية. السياسة كانت غائبة إلا في هوامش قليلة. كنا ونحن صغارا في حاجة إلى هذه الحصص التربوية للتزود في ظل صراع إيديولوجي محموم مع فكر وارد وهو الفكر اليساري في حينه، والذي كان يدور في عمومه حول فكرة الإلحاد ودحض مسلمات الدين، كان من السهل أن يغري هذا الفكر شبابا مثلنا خصوصا وأن هذا الفكر كان أداة في صراع سياسي محتدم ضد الأوضاع السياسية وضد الدولة وضد كل رموز الدولة، وليس من الغريب أن تجذب هذه الأفكار شبابا صغيرا ومتحمسا لمرارة الوضع الاجتماعي.

وهنا نذكر للحاج كمال ولغيره من رواد الصحوة أن هذه الدروس التي كان يلقيها أمامنا بأسلوب تعليمي وبيداغوجي متميز قد حالت بعد فضل الله تعالى علينا بيننا وبين السقوط، لا أقول في فكر سياسي معين، ولكن السقوط في فكر يساري لا ينطلق من واقع ملموس هو الواقع المغربي، وقد أغرى كثيرا من الشباب آنئذ، وهذا ليس بالأمر الذي يمكن أن ننساه إلى اليوم، أما السياسة فكنا نسمعها من شخص آخر هو عبد الكريم مطيع، أقول هذا لأميز بوضوح بين الشخصين على مستوى الدور وعلى مستوى القدرة السياسية الموجهة للشبيبة الإسلامية.

عند ذهابنا إلى الرباط سنة 1975 كنا نحظى ببعض الزيارات من طرف مطيع، وكان يأتي في بعض الأحيان مصحوبا بالحاج كمال، في يوم من الأيام بالضبط في شهر دجنبر 1975 علمنا بأن الحاج كمال قد اعتقل على خلفية جريمة لا يمكن لعاقل ولا لمتدين ولا لمن يعيش داخل دولة أن يقبلها وهي مقتل الأستاذ بنجلون، لو كان الاختلاف في الرأي أو في الموقف السياسي يدعو إلى القتل والتصفية الجسدية لما بقي لمفهوم الدولة والمجتمع معنى، لكن كان الذي كان، لا نعرف تفاصيل الأمر، لكن الذي عرفنا هو أن الأستاذ كمال قد اعتقل على خلفية هذا الحدث المؤلم وبقي في السجن مدة خمس سنوات. كانت سنوات معاناة عشناها معه.

السجن معاناة حقيقية ليس بالوضع الذي يعيشه المرء داخل السجن، وقد عاش الحاج كمال معاناته منه وتدهورت بسببه صحته، ولكن أيضا لأن خارج السجن توجد عائلة كانت تعاني من ضيق اليد، فخرجت الزوجة الصالحة المرحومة للعمل لعيالة أبنائها ويا لها من معاناة.

قلت بأن الحاح كمال كان موظفا بسيطا فكيف لعائلته وهو في السجن، وبعد خمس سنوات قال القضاء كلامه ولا كلام في دولة يحترمها أهلها فوق كلام القضاء، حكمت ببراءته قضائيا، ولكن بالنسبة لنا نحن الذين شهدنا على هذه المرحلة، وكما صرح بذلك الأستاذ بنكيران فقد كان الرجل فعلا بريئا، كان بعيدا عما وقع لأن طبيعته وشخصيته لم تكن ممن يساهم في جريمة مثل هذه، أما ما وراء ذلك فالله تعالى وحده هو به عليم.

كنا نظن أن السجن سيؤثر في معنوياته غير أنه بمجرد خروجه من السجن بدأ نشاطه من جديد، بدأ ينتقل من مدينة إلى أخرى لإتمام مهمته الدعوية بنفس الحماس، ويا للأسف بدأنا في تلك اللحظة نسمع عنه من طرف نفوس شريرة ما لا يجب أن يقال، فدافعنا عنه وعن سمعته بل إن أقاويل بعض الأشرار رجعت ضدهم يوم اكتشفنا أن الأمر يتعلق بمنافسة سياسية رديئة الأهداف والأسلوب، وبعدها قررنا أن نبدأ مرحلة جديدة من العمل نقطع بها مع ما سبق، قررنا أن منهج الشبيبة كما وضعه مطيع لم يعد ملائما ولم يكن صحيحا أخلاقيا وسياسيا فبدأنا تجربة جديدة هي التجربة التي أسست ولله الحمد لما نحن عليه الآن.

لقد انتصرت هنا الروح التربوية التي علمها الأستاذ ابراهيم كمال وانهزمت الروح السياسية الضيقة والغامضة التي صاحبت مسيرة تجربتنا في الشبيبة منذ بدأناها في سنة 1972، التربية هي روح السياسة وليس العكس والسياسة بدون أخلاق هي مجرد ألاعيب يصبح معها كل شيء ممكنا وكل غاية فيها تبرر الوسيلة، درسنا مع الأستاذ كمال أنه لا سياسة بدون تربية و بدون أخلاق، ولا زلنا نؤمن بهذا المبدأ وبه يجب أن تستمر رسالتنا.

رحم الله تعالى الأستاذ ابراهيم كمال وبعثه مع الصالحين ورزق أهله وتلامذته وكل أصدقائه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

بقلم الأستاذ عبد الرحمن اليعقوبي ـ يسار الشيخ ابراهيم كمال في الصورة أعلاه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.