التطور المنهجي لنسق الاجتهاد المقاصدي في تاريخ الفكر الإسلامي

0 1,329
د. مولاي المصطفى الهند

يعتبر الاهتمام بمقاصد ومآلات الشريعة الإسلامية في تاريخ الفكر الإسلامي مشروع إحياء للأمة وإنقاذ لمقدراتها العلمية والمعرفية في كل مرة تشرف شمس شهودها الحضاري على الأفول من جهة، وفيه جواب عن الأسئلة المقلقة التي تحير الألباب من جهة أخرى. هذا الجواب الذي ينطلق من مشكاة العلم ليتجاوز حدود المعرفة البسيطة، لأن المعرفة تقال فيما لا يعرف إلا كونه فقط، والعلم أصله أن يقال فيما يعلم وجوده وجنسه وكيفيته وعلته وغير ذلك، ولهذا يضاد العرفان الإنكار، والعلم الجهل[1].

ومن المعلوم في تاريخ الفكر الإسلامي أن عددا كبيرا من علماء الأمة أسهموا في فتح باب واسع لفهم الشريعة وفقهها والتطلع إلى جواهرها وأسرارها وحكمها، وأسسوا بذاك منهجا علميا للتعامل مع مقاصدها وغاياتها، فكانت بذلك إشارة علنية واضحة لبداية الاجتهاد ونهاية التقليد. ثم استقر الوعي المنهجي بعد ذلك بضرورة تجديد العقل المقاصدي وإحياء دوره الاجتهادي في مواكبته لتحقيق مصالح الناس فترة بعد فترة حتى عصرنا هذا، بل أضحى من الشروط الأساسية التي ينادي بها الفكر الإسلامي اليوم لإخراج المسلمين مما هم فيه من أزمة حضارية مستعصية.

يروم هذا العرض المقدم إلى هذه الندوة العلمية المباركة رصد منهج تطور نسق تجديد الاجتهاد المقاصدي من خلال وحدة زمنية متكاملة تنقسم إلى قسمين:

ـ القسم الأول؛ يتناول الفترة التي سبقت عهد الإمام الشاطبي، وفيها محاولة لملامسة ملامح الاجتهاد المقاصدي من خلال المدارس الأنموذجية الآتية: المدرسة الفقهية، والمدرسة الأصولية، والمدرسة العقائدية، والمدرسة الإصلاحية، مع التركيز على خصوصية الإبداع التجديدي الأنموذجي للعقل المقاصدي في كل مدرسة على حدة.

ـ القسم الثاني؛ مخصص لدراسة الفترة الزمنية الثانية التي بدأت مع المدرسة الشاطبية وصولا إلى المدرسة المقاصدية المعاصرة، وفيها بيان لنضوج النظر المقاصدي التجديدي، ونبوغ للعقل المقاصدي المواكب للنوازل والمستجدات.

 

المحور الأول: المراحل التمهيدية المؤسسة للاجتهاد المقاصدي قبل الإمام الشاطبي

 

عرف بعض الباحثين الاجتهاد المقاصدي بأنه العمل بمقاصد الشريعة والالتفات إليها والاعتداد بها في عملية الاجتهاد الفقهي. وموضوعه أصولي فقهي يتناول قضية مهمة للغاية، اصطلح على تسميته بـ”مقاصد الشريعة الإسلامية”، التي تعد فنا شرعيا معتبرا، له أهميته ومكانته على صعيد الدراسات المعرفية والأكاديمية، وله فوائده وآثاره على مستوى الواقع الإنساني ومشكلاته وأحواله ومستجداته[2].

وإن أهم خصائص الاجتهاد المقاصدي هو إحداث نقلة نوعية في المباحث الأصولية، فقد شعر الإمام الشاطبي أن المنهجية التي وضعها الإمام الشافعي في الرسالة تحتاج إلى مراجعة نقدية جذرية، تنتقل بعلم أصول الفقه من مرحلة استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع إلى مرحلة استنباط المعاني من الأحكام، وهي مسألة تتجاوز بيئتها التاريخية والاجتماعية لتتحول إلى مسألة معرفية بالأساس؛ إذ كانت غاية هذا العلم هي بلورة هذه الكليات الشرعية لتصبح الأسس الموجهة للنظر في الأحكام الشرعية وشروط تنزيلها في الواقع وتحقيق الغايات التي من أجلها وضعت أصلا[3].

ويمكن القول بأن الاجتهاد المقاصدي من حيث هو مسألة معرفية محضة قد مر بمراحل مختلفة في تاريخ الفكر الإسلامي قبل أن يصل إلى درجة النضوج المعرفي والتشكل النظري في عهد الإمام الشاطبي. وبيان ذلك كالآتي:

  1. الاجتهاد المقاصدي الفقهي

مما يحمد لعدد من فقهاء الأمة الأفذاذ استفراغهم الجهد والوسع لاستنباط الأحكام من النصوص الشرعية واستخراج العلل التي من أجلها شرعت هذه الأحكام، ثم مراعاة المقاصد الشرعية العامة التي يحققها تطبيق تلك الأحكام عند إنزالها على واقع الناس. وقد تنافس العلماء المجتهدون لتحقيق هذا الهدف كما تذكر ذلك كتب الطبقات وتاريخ المذاهب وغيرها، إلا أن ملامح قصب السبق في ربط الاجتهاد الفقهي بمقاصده حازته المدرسة المالكية قبل سواها، وبذلك كانت المحضن المعرفي للنظرية المقاصدية وأغلب منظريها في تاريخ العلوم الإسلامية، خاصة في الجانب الغربي من العالم الإسلامي.

وبيان هذا أن الإمام مالك، رحمه الله، نظر إلى الشريعة الإسلامية نظرة مقاصدية متميزة، سواء تعلق الأمر بمقاصد الشارع أو بمقاصد المكلف، وكان له الفضل العلمي في إبراز ما يمكن الاصطلاح عليه بـ”المقاصد الفقهية”، حيث استفنها فنا وأتقنها إتقانا.

والمتأمل في الإنتاج الفقهي للمدرسة المالكية يلاحظ أن الهدف من هذا العمل العلمي المتميز إبراز وبيان الأسرار والحكم التي قصدها الشارع من خلال تشريع الأحكام الفقهية، ثم التأكيد على أنها تمتح قيمتها العلمية من استقراء أحكام نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مما يجعلها قريبة من قطعيتها الثبوتية والدلالية، إضافة إلى أنها موسومة باطرادها وعمومها، ذلك لأن أحكامها تسري على فروع كثيرة وجزئيات متعددة.

ومما يتميز به كذلك التصور المقاصدي الفقهي عند المالكية شموليته لمجال العبادات والمعاملات، وكذا عمق اجتهاده المنساق لأهداف التشريع في مسائل اجتهادية دقيقة. ومن ذلك مسألة افتقار صحة الزكاة إلى النية في حال امتنع المكلف عن أدائها وأخذها منه كرها، والمشهور في المذهب المالكي أنها إن أخذت على هذا الحال تجزئ نية الإمام عن نية المالك[4]. وكذا قضية المرأة التي تغيب عنها زوجها طويلا ثم تبين أنه مات، فعدتها من يوم موته لا من يوم بلغتها وفاته، فالعدة واجبة عليها وقد سقطت عنها بغير نية[5].

أما فيما يخص العقود، كوجه من وجوه المعاملات ذات البعد المقاصدي، فإن الفقه المالكي نظر إلى صيغتها على أنها من قبيل الإنشاء غير الطلبي، بخلاف ما ذهب إليه الحنفية والشافعية، وقول بالجمع بين الخبر والإنشاء عند الحنابلة[6].

إن اختيار المالكية هذا فيه تحقيق لمقاصد الشريعة الإسلامية المتحصلة من نتائج إبرام العقود أو فسخها، خاصة إذا علمنا أن اعتبار ألفاظها يرتبط بالمعاني المتحققة في نفس المنشئ للعقد، فلا صحة له شرعا إلا إذا طابق الخبر مخبره. وبناء على هذا جاءت مظاهر تحديد مقاصد المكلفين لدلالات ألفاظ الإنشاء إما بتخصيص عام، أو تعيين دلالة اللفظ المشترك، أو تقييد مطلق، أو تعميم مطلق، أو حمل الحقيقة على المجاز..

وقضية اعتبار ألفاظ العقود من قبيل الإنشاء يستتبع خاصية أخرى من خصائص النظر الفقهي المقاصدي في الفقه المالكي، وهي مسألة استصحاب فعل المباحات للنية[7]. وهذا الأمر يعتبر وجها من وجوه حقيقة الحديث عن “سد الذريعة” كأصل من أصول المذهب المالكي الذي تميز به فقه الإمام مالك منهجا ومعرفة عن باقي علماء المذاهب الفقهية الأخرى، والذي يقوم على ركنين: أولهما؛ النظر في مقصد التصرف، وثانيهما؛ النظر في مآل التصرف.

وبناء على هذا فإن أصل “سد الذريعة” ضمان منهجي لاستمرار مقاصد الشريعة الإسلامية في أداء وظيفتها العامة القائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد. بل إن فقهاء المالكية توسعوا في هذا الأصل كلما ترجح لديهم الظن بتفويت منفعة محققة، كقضائهم بعدم جواز الصلاة على الميت الذي دفن قبل أن يصلى عليه حتى لا يصلى على القبور[8]، وكذلك قضاؤهم بترك صلاة الجمعة لصاحب دين وعسرة يخاف على نفسه من اعتداء الحاكم أو الغارم بالسجن أو الضرب أو ما شابه ذلك[9].

وقد يقال إن أصل الذرائع ليس خاصا بالمالكية وحدهم، كما ذهب إلى ذلك الإمام القرافي وغيره، إلا أن الذي يحمد للإمام مالك حيازته قصب السبق في إبراز هذا الأصل كمفهوم اصطلاحي جديد في الساحة الفقهية، ثم تداوله فقها وتنزيلا بما يخدم حقيقة مقاصد الشريعة الإسلامية، وإلا فإنه من المعلوم أن أغلب المذاهب الفقهية الأخرى تقول بسد الذرائع وإن تفاوتت في قضية الاصطلاح ومساحة الاستعمال والجرأة في التعبير والبيان، وإن كان بعض الباحثين يؤكد على أنه لا يعتد بأي كلام عن الاجتهاد الذرائعي إذا كان بمعزل عن معرفة حقيقة تصور المالكية له والرجوع إليهم فيه في مجالي: التنظير والتطبيق، والتأصيل والتفريع[10].

هذا غيض من فيض الإسهامات الفقهية للمدرسة المالكية في إبراز ومد جسور التواصل بين الفقه الإسلامي ومقاصده، وأنموذجية الإمام مالك تؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، أنها عالجت بشكل فعال إشكال الجفاء في العلاقة بين الأحكام الفقهية والمكلفين بها، فأعادت إليها روح الشريعة ودفء حرارة العبادة وحلاوة مذاق الإيمان، التي ما إن تخالط بشاشتها القلوب حتى تشع نفس الإنسان المسلم نورا وانشراحا، فتنشط في سلوكها تدرجا نحو بارئها راضية مرضية.

  1. الاجتهاد المقاصدي الأصولي 

تعتبر علوم أصول الفقه من أهم العلوم التي أنتجها الفكر الإسلامي، وهي تعبر عنه أصدق تعبير، ذلك لكونها تفسح المجال أمام خاصية فريدة من النبوغ المعرفي في تاريخ العلوم الإسلامية الذي حمل لواءه ثلة من العلماء الألمعيين.

ويعد إمام الحرمين أبو المعالي الجويني صاحب الريادة في هذا الباب، فقد رصع كتابه “البرهان” بجواهر وللآلئ مقاصدية، فتوّجه بالتقسيم الثلاثي لمقاصد الشريعة المتمثل في الضروريات والتحسينيات والحاجيات، ثم أتبع ذلك كله بالإشارة والتلميح والتصريح إلى الضروريات الخمس الأساسية: حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال[11].

إن المتأمل في هذا الإشراق المقاصدي والفتح المعرفي الأصولي الذي يحسب للإمام الجويني يلاحظ أن هذا كله يمكن تفسيره بناء على الأسباب التالية:

ـ أولا: تأثره بتربية أبيه الإمام  عبد الله بن يوسف الجويني، ثم نشأته العلمية الذي جعلته يحكم زمام الأصول ويسبح بدقة في بحارها العميقة، كأن الرجل كان يخط له منذ بداية مساره العلمي مشروعا علميا يجب تحقيقه.

ـ ثانيا: نبذه التعصب والفرقة والخلاف والشقاق، خاصة إذا كانت بين من ينسب للعلم ويحسب على أهله، الأمر الذي حمله على ترك موطن نشأته والسفر لمجاورة الحق بعيدا عن الخلق، ولم يعد إلى بلده إلا بعد مضي موجة التعصب وانكسارها.

ـ ثالثا: ممارسته الإفتاء، ومصاحبته الوزراء، ومناظرته العلماء، ومخالطته لأهل الحل والعقد في الدولة الإسلامية، كل هذا وغيره فتح عقله على فقه الواقع وتنزيل أحكام الشريعة ومنهج التعامل مع المناط، تحقيقا وتخريجا، بلغة علماء الأصول[12].

ـ رابعا: تميز القرن الخامس الهجري الذي عاش فيه الإمام الجويني بنضج المذاهب الفقهية المتعارف عليها تدوينا وتداولا وتنزيلا، الأمر الذي حدّ من التفكير في إنتاج مذاهب فقهية جديدة، مما جعل جل العلماء، وفي مقدمتهم الإمام الجويني، في هذا القرن يميلون إلى مراجعة ومدارسة وتقييم ما سبق من علوم، خاصة في مجال الفقه وأصوله.

ـ خامسا: جمع الإمام الجويني طرق المذاهب الفقهية والأصولية وأحسن التمكن منها، مما جعله يبلور أفكاره المقاصدية، إيمانا منه أن من لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة.

ـ سادسا: الاستقرار السياسي الذي تميز به عصر إمام الحرمين، والانتصار للمذهب الأشعري، وانتشار النظر الاجتهاد، وأضحت أكثر المذاهب الفقهية الرئيسية مدونة ومستقرة ومتقلبة من لدن العامة والخاصة[13]، هذا كله مكن الإمام الجويني من تعبيد الطريق لبسط نظريته المقاصدية التي أسست لميلاد علم جديد منبثق من رحم علم أصول الفقه، ثم ما لبث بعدئذ أن استوى قائما برجاله ومدارسه ومراجعه منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا.

ـ سابعا: عاش الإمام الجويني حياته بطريقة المتصوفة السالكين، فتذوق بقلبه وجوارحه طعم ثمرات الإيمان المتمثلة في مقاصد الأوامر والنواهي. وكلما ذاق عرف، ومن عرف استزاد واستكثر واغترف، فجاء برهانه طبقا مقاصديا شهيا يساعد في السير إلى الله عز وجل وطلب مرضاته.. ومن لم يجد شيئا من هذا فعمله مدخول كما قال الإمام ابن تيمية فيما نقله عنه تلميذه الإمام ابن قيم الجوزية[14].

أخلص في هذه اللمحة المنهجية المقتضبة إلى القول بأنه حري بالأسباب السالفة الذكر أن تنتج عقلا أصوليا مقاصديا مجددا، حقق خطوة مهمة ومتميزة في تاريخ الفكر الإسلامي، وأرسى لبنة أساسية لتعميق النظر الاجتهادي وإعادة قراءة العلوم الإسلامية بمنهج سليم، القصد منه استلهام هدي الشريعة الإسلامية في أحكامها وغاياتها وأهدافها بما يتناسب مع قواعدها ومبادئها وأصولها. فلا غرو، إذن، أن يورد الإمام الذهبي في كتابه “سير أعلام النبلاء” عن العلامة الفيروزبادي شهادته في حق إمام الحرمين الجويني قائلا: تمتعوا من هذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان..![15]

  1. الاجتهاد المقاصدي العقائدي

سبق عدد من علماء الإسلام إلى الحديث عن مقاصد العقائد، فألف في هذا المجال الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشر الترمذي كتابه “إثبات العلل”، الذي أكد فيه على أن أصحاب المعاني والقادرين على إدراك مقاصد الشريعة وعلل العبودية هم الخاصة وخاصة الخاصة؛ وكذلك ألف أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن البخاري كتابه “محاسن الإسلام وشرائع الإسلام” الذي شرح فيه خصائص الشريعة ومميزاتها وعظيم شرفها ومقاصدها.

إلا أن الذي تميز من هؤلاء الأعلام هو حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي الذي كثرت تآليفه في مجال العقيدة، ومن ذلك كتاب “الإحياء”، وكتاب “الاقتصاد في الاعتقاد”، وكتاب “قواعد العقائد” التي شرحها العلامة الزروقي، وغيرها من المصنفات التي زينها بالحديث عن مقاصد العقيدة وأسرارها وحكمها التي فصل في بعضها حينا وألمح إلماحا في أخرى أحيانا.

وهكذا أشار الإمام الغزالي في إحيائه إلى أن إدراك الأسرار التي يترجمها ظاهر ألفاظ هذه العقيدة فلا مفتاح له إلا المجاهدة وقمع الشهوات والإقبال بالكلية على الله تعالى وملازمة الفكر الصافي عن شوائب المجادلات، وهي رحمة من الله عز وجل تفيض على من يتعرض لنفحاتها بقدر الرزق وبحسب التعرض وبحسب قبول المحل وطهارة القلب، وذلك البحر الذي لا يدرك غوره ولا يبلغ ساحله[16].

ومن جملة الأمثلة على ما سبق ذكره يورد الإمام الغزالي في كتبه كلاما عن التوحيد ومراتبه، فلا يقف عند ما هو مقرر عند متكلمي أهل السنة والجماعة الذي هو إثبات لوحدانية الله تعالى في الذات والصفات والأفعال، بل أضفى عليها بعدا سلوكيا عجيبا يختلف باختلاف الموحدين ومقاصدهم من التوحيد، وكأن الغزالي يشير، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون من بعده[17]، إلى أن المعتبر في التوحيد ليس هو الإيمان فقط؛ لأن الإيمان تصديق علمي، أما التوحيد فهو علم ثان ينشأ من العلم الأول، والفرق بينهما أشبه بالفرق بين العلم بالشيء والاتصاف بهذا الشيء أو التحقق به.

وهكذا قال الإمام الغزالي في كتاب التوحيد والتوكل المضمن في مؤلفه “الإحياء”: فكذلك التوحيد بمجرد اللسان دون التصديق بالقلب عديم الجدوى كثير الضرر مذموم الظاهر والباطن؛ لكنه ينفع مدة في حفظ القشرة السفلى إلى وقت الموت: والقشرة السفلى هي القلب والبدن. وتوحيد المنافق يصون بدنه عن سيف الغزاة فإنهم لم يؤمروا بشق القلوب، والسيف إنما يصيب جسم البدن وهو القشرة وإنما يتجرد عنه بالموت فلا يبقى لتوحيده فائدة بعده..

 وكما أن القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة إلى القشرة العليا فإنها تصون اللب وتحرسه عن الفساد عند الادخار، وإذا فصلت أمكن أن ينتفع بها حطباً لكنها نازلة القدر بالإضافة إلى اللب، وكذلك مجرد الاعتقاد من غير كشف كثير النفع بالإضافة إلى مجرد نطق اللسان ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف والمشاهدة التي تحصل بانشراح الصدر وانفساحه وإشراق نور الحق فيه، إذ ذاك الشرح هو المراد بقوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ (الأنعام: 126) وبقوله عز وجل: ﴿أفمن شرح الله صدره للاِسلام فهو على نور من ربه﴾ (الزمر: 22). وكما أن اللب نفيس في نفسه بالإضافة إلى القشر وكله المقصود، ولكنه لا يخلو عن شوب عصارة بالإضافة إلى الدهن المستخرج منه، فكذلك توحيد الفعل مقصد عال للسالكين لكنه لا يخلو عن شوب ملاحظة الغير والالتفات إلى الكثرة بالإضافة إلى من لا يشاهد سوى الواحد الحق[18].

وقد فصل بعض الباحثين المتخصصين في أعمال الإمام الغزالي المفهوم النسقي العقدي الذي أفضى إلى بلورة نظرية المقاصد العقدية عند الغزالي، وهذا ما قام به الأستاذ الباحث محمد عبدو في أطرحته العلمية المتميزة  “مقاصد العقائد عند الغزالي”، حيث شرح عناصر هذه النظرية شرحا وافيا على نفس منوال نظرية الإمام الشاطبي، فتكلم عن ضرورية العقائد وما لها من زوائد ومتممات، ثم إنها تقام أركانها وتثبت قواعدها بأسباب الحفظ لوجودها وأسباب الدفع لمفسدتها ومهلكاتها، وهي تجري مجرى الوسيلة لغيرها، ثم هي ليست على رتبة واحدة، بل أنفسها معرفة الذات، ثم يليه معرفة الصفات، ويليه معرفة الأفعال.. إلى غير ذلك من خمس عشرة مسألة تشكل هندسة هذا البناء النظري للمقاصد العقائدية عند الإمام الغزالي.

إن المتأمل في نشوء هذه النظرية المقاصدية يمكن أن يعزوها إلى أربعة أمور أساسية عامة:

ـ أولا؛ التكوين العلمي المقاصدي الرصين الذي مزج فيه حجة الإسلام بين علم الكلام وعلم الفلسفة وعلم الأصول وعلم التصوف، خاصة وأنه قد سبق أن خاض تجربة مقاصدية متميزة في كتاب “مقاصد الفلاسفة”.

ـ ثانيا؛ التغيير الجذري الذي عرفته حياة الإمام الغزالي منهجا ومعرفة وسلوكا، كأن نصف عمره الأخير ناسخ لنصفه الأول قولا وعلما وحكما، خاصة إذا علمنا أن للحكيم الترمذي ولعدد من علماء التربية والسلوك أثرا واضحا على فكر الإمام الغزالي، مما جعله يهتم بإعادة بناء التصور العقدي وفق نسق مقاصدي متميز تميز أواخر سنوات حياته.

ـ ثالثا؛ الحالة التي كان عليها القرن الخامس الهجري من الخلاف الشديد والصراع المرير بين المذاهب الفقهية والعقائدية، وتواجد تيار الزندقة، وانتشار الإسماعيلية النزارية التي عاثت في عقيدة البلاد والعباد فسادا ورعبا، وكذا اشتداد الفتنة الطائفية التي قادتها بعض فرق الشيعة.. وهذه الأمور وغيرها هي التي جعلت الإمام الغزالي يخرج من نظامية بغداد إلى بلاد الشام ويحاول تصحيح الاعوجاج العقدي، وتقويم انحراف التوحيد واحروراف مقاصده.

ـ رابعا؛ تميزه بنظر ثاقب وخبرة كبيرة في مجال الدراسات التربوية والنفسية والسلوكية، ووعيه العميق بأثرها الفعال في توجيه الإنسان وبناء تصوره العقدي.

  1. الاجتهاد المقاصدي الإصلاحي

شكل شيخ الإسلام الإمام أحمد تقي الدين أبو العباس بن تيمية، رحمه الله، في تاريخ أمتنا مدرسة علمية أنموذجية في إحياء الفكر الإسلامي الرصين وإصلاحه منهجا ومعرفة، وهذا ما جعل منه ظاهرة علمية متميزة جامعة لشتى العلوم والمعارف، وحصنا منيعا للدفاع عن الإسلام في فترة عصيبة من حياة الأمة الإسلامية، ومن ثم اعتبرناه مثالا واضحا وعنوانا بارزا للاجتهاد المقاصدي الإصلاحي في تاريخ الفكر الإسلامي.

والمتأمل في المنهج العلمي للإمام ابن تيمية يلاحظ أن من ثمرات جهاده العلمي بيان حقائق الشريعة الإسلامية ومقاصدها، والتي يمكن إجمال وسائل معرفتها في الجوانب العامة الآتية: 

أ. الجانب الأول: الاستقراء والاستنباط

رجع الإمام ابن تيمية إلى أقوال من سبقه من أهل العلم فنظر فيها نظرة الفاحص المدقق، مما أكسبه دربة على اختراق حجب المعرفة للإلمام بحقائق ومعاني لطيفة. ولم يقتصر هدفه في هذه العملية العلمية في الرد على من يستحق الرد في نظره، وإنما صاحب ذلك كله الكشف عن المقاصد والغايات التي سيقت من أجلها نصوص الشريعة.

ومن ذلك إيراده في كتابه “التفسير الكبير” لعدد من آيات الخلق والهداية التي يعول عليها المفسرون، فأكد على أن الله تعالى ذكر فيها خلق الإنسان وهدايته وتعليمه بعد الخلق كما في قوله عز وجل: ﴿الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى﴾ (الأعلى: 2-3)؛ لأن جميع المخلوقات خلقت لغاية مقصودة بها، فلا بد أن تهدى إلى تلك الغاية التي خلقت لها، فلا تتم مصلحتها وما أرادت إلا بهدايتها لغايتها، وهذا ما يبين أن الله خلق الأشياء لحكمة وغاية تصل إليها، كما قال ذلك السلف وجمهور المسلمين وجمهور العقلاء[19]. وقد أراد بهذا الاحتجاج الرد على من يبطلون الحكمة والإرادة في مخلوقات الله، كالجهمية والأشاعرة[20].

وقد تنوعت أصول الاستنباط عند الإمام ابن تيمية حتى تجاوزت أصول الحنابلة كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين، وهي تفصيلا: الكتب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب والمصالح المرسلة وقول الصحابي وشرع من قبلنا والاستحسان وسد الذرائع والعرف. إلا أن هذا التفصيل يمكن إجماله في أصول أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

إن هذه الأصول، مجملة أو مفصلة، تكشف عن منهج أصولي دقيق للإمام ابن تيمية، أصله ثابت في المذهب الحنبلي من الناحية الفقهية، إلا أن فروعه تمتد في سماء الاجتهاد الواسع بما يتساوق مع مقاصد الشريعة الإسلامية من جهة، ودلالة المقاصد الأصلية على الفرعية من جهة أخرى.

ب. الجانب الثاني: حفظ الدين

من المعلوم أن عصر الإمام ابن تيمية عرف حالات من التمزق والتشرذم والتدهور الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الأمة، حتى بلغ الأمر أن أصيبت عقيدة المسلمين بلوثات مفاهيمية شوهت معالمها وغيرت ملامحها، وذلك بسب انتشار واسع ومهول للبدع والضلالات.

وقد فطن، رحمه الله، إلى أن من أهم المقاصد الشرعية الأصلية المحافظة على الدين، وذلك لن يتأت إلا بالقضاء على البدع. ولهذا يحمد إليه في تاريخ الفكر الإسلامي جهوده الكبيرة التي بذلها في التصدي لأصحاب الضلالات والمنكرات، سواء فيما يخص الأقوال والاعتقادات أو الأفعال والعبادات. وكان قصده، رحمه الله، من اجتهاده هذا تصحيح العقيدة وإعادة توحيد الأمة والتأليف بينها..[21].

ولقد فسر شيخ الإسلام في مؤلفاته، بما لا يدع مجالا للشك، على أن البدع مشتملة على مفاسد اعتقادية خطيرة من شأنها أن تهدم ما ترنو إليه الشريعة من مصالح. ولما كان الجهل بقواعد الشريعة ومقاصدها أصلا من أصول الابتداع، كما قرر ذلك الشيخ دراز في كتابه “الميزان”[22]، فإن ما سعى إليه شيخ الإسلام هو هدم هذا الأصل وغيره حتى لا يضيع الدين، ومن هنا نفهم لماذا اعتبر، رحمه الله، البدع مشتقة من الكفر[23].

ج. الجانب الثالث: دلالات اللغة وسياقاتها بين العادة والعبادة

تصدى الإمام ابن تيمية لتفسير القرآن والسنة من خلال الوضع اللغوي المتعارف عليه، واعتبر هذا المنهج خاطئا ولا يصلح للتعامل مع نصوص الوحي. وبيان ذلك أن فهم ما جاء في قول رب العزة، سبحانه وتعالى، أو حديث رسوله، صلى الله عليه وسلم، لا يتم بشكل صحيح وسليم إلا من داخل القول نفسه وليس بقرينة لغوية متعارف عليها، وذلك للتميز بين ما يخرج من مراد هذا القول عبادة وما يخرج منه عادة. وقد قال، رحمه الله، في كتابه الفتاوى شارحا هذه القضية: اللفظ إنما يدل إذا عرف لغة المتكلم التي بها يتكلم وهي عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه، ودلالة اللفظ على المعنى دلالة قصدية إرادية اختيارية.

 فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى فإذا اعتاد أن يعبر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغته. ولهذا كل من كان له عناية بألفاظ الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومراده بها عرف عادته في خطابه وتبين له مراده ما لا يتبين لغيره، ولهذا ينبغي أن يقصد إذا ذكر لفظ من القرآن والحديث أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ماذا عنى بها الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم. فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده وهي العادة المعروفة من كلامه، ثم إذا كان لذلك نظائر في كلام غيره كانت النظائر كثيرة عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامة لا يختص بها هو، صلى الله عليه وسلم، بل هي لغة قومه ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه، كما يفعله كثير من الناس وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه[24].

إن الإمام ابن تيمية بقوله هذا يؤكد أن تفسير نصوص الوحي لا يتم إلا لمن أوتي مفاتيح استكناه المعاني المودعة فيها، ومن شأن هذا كله أن يخدم المقاصد الحقيقية للشريعة الإسلامية. وهذا عين ما سعى إليه من خلال مصنفاته وكتبه ومجاهدته المعرفية حتى آخر يوم من حياته، فخرجت دمشق كلها تكريما لهذا العالم المجدد والمقاصدي المصلح  تودعه وتبكيه في جنازة مهيبة لا يقل عدد أفرادها عن خمسين ألفا.. !

المحور الثاني: مرحلة نضوج الاجتهاد المقاصدي في عهد الإمام الشاطبي وما بعده

  1. الخصائص المنهجية المؤسسة لنظرية الإمام الشاطبي

لن أتحدث في هذه اللمحة المنهجية المقتضبة عن نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، وذلك لأن أهل الصنعة من علماء الأصول والمقاصد بسطوا آراءهم في هذا الجانب كثيرا، ولكن أردت أن أعرج قليلا على ملامح الدعائم المنهجية التي استوت عليها هذه النظرية التجديدية قائمة بشموخ منذ القرن الثامن الهجري.

إن أول دعامة للنظر المقاصدي عند الإمام الشاطبي نقشت عليها عبارته الشهيرة “المعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره[25].”

والحديث عن مفهوم الاستقراء عند الإمام أبى إسحاق هو حديث عن المنهج بكل معانيه ودلالاته، وفيه إضافة نوعية للاجتهاد في الفكر الإسلامي، حيث إن العلماء قبله كانوا يعوّلون في أبحاثهم على الاستنباط والقياس، ثم جاء هذا الفتح المنهجي الجديد ليسبر أغوار بحار الشريعة بحثا عن مقاصدها وأهدافها وأسرارها المكنونة في صدفاتها.

إن ما يميز منهج الاستقراء عند الإمام الشاطبي هو توظيفه فيما يعتبر نافعا، فقد أورد الأستاذ تميم الحلواني في بحثه عن الخصائص العامة لفكر الإمام الشاطبي أنه لم يعمل بهذا المنهج في مجال البدع والضلالات، لأنها تتصف بقابلية التجديد وتتأثر بظروف الزمان والمكان، ولذلك لجأ فيها إلى طريقة التأصيل والتقعيد[26].

ومما تفرد به الإمام الشاطبي كذلك قوله بإفادة الاستقراء التام والناقص القطع، وبهذا خالف الحجية المتعارف عليه بين علماء الأصول. بل إن الأستاذ مجدي محمد عاشور أكد في بحثه عن الثابت والمتغير في فكر الإمام الشاطبي على أنه أخذ بالاستقراء المعنوي في منهجه فجمع بذلك بين منهجين:

أ. منهج أهل الحديث، وكذا أهل الأصول القائلين بالتواتر المعنوي والمقرين بإفادته العلم عندهم.

ب. منهج أهل المنطق في استدلالهم بالاستقراء في إثبات حجية الدليل، ولكنه خالفهم في أخذه بالاستقراء الناقص[27].

أما الدعامة الثانية للنظر التجديدي المقاصدي عند الإمام الشاطبي هي قضية التعليل، وبدونها يكون اجتهاده قاب قوسين أو أدنى من التصدع والانهيار، وتصبح المقاصد في أحسن أحوالها نظرية بغير جذور حسب تعبير الأستاذ أحمد الطيب الذي أشار إلى هذا الأمر حين تناوله لنظرية المقاصد ومدى ارتباطها بالأصول الكلامية[28].

إلا أن اللافت للنظر عند الإمام الشاطبي هو قوله بالتعليل في الشريعة مجملها ومفصلها. وقد ذكر الأستاذ أحمد الريسوني في كتابه “نظرية المقاصد” بأن الإمام لا ينكر أن العبادات معللة في أصلها وجملتها، وإن كان يرى أن التفاصيل يغلب فيها عدم التعليل. ثم استدرك على هذا فأتى بالتعليل التفصيلي للشاطبي للصلاة، ثم علق عليه بالقول بأن هذا توسع ظاهر يقدم عليه الشاطبي في تعليل تفاصيل أكثر العبادات تعبدية وهي الصلاة، فكيف يقال، رغم هذا،إن المناسب في العبادات مما لا نظير له، وأن الأصل في العبادات عدم التعليل؟[29].

وقول الإمام الشاطبي بالتعليل مخالف لما عليه مذهبه العقدي والكلامي باعتباره أحد أعلام الأشاعرة، بل إننا نجده يقارع ألد خصوم التعليل في زمانه الإمام الرازي، وهذا الأمر يعيد طرح أشعرية الإمام الشاطبي من جديد في ميزان علم الكلام؛ لأن من كان على شاكلة الإمام الرازي وغيره من علماء الأشاعرة لن يسلم للإمام الشاطبي نظره التعليلي أيا كانت أسبابه ومقاصده.

ولعل الإمام الشاطبي قد علم بفطنته وذكائه أن الدخول إلى عالم المقاصد يمر حتما عبر بوابة التعليل، فاقتحمها بحذر شديد دون إثارة انتباه الأشاعرة، وذلك من خلال موافقتهم في آرائهم الكلامية، من ذلك قضية التحسين والتقبيح وغيرها، ثم ترك لنفسه هامشا واسعا لنصوص كثيرة استثمرها لربط جسور التواصل بين آرائه وآراء علماء السلف من قبله، للتأكيد على أن نظريته المقاصدية ليست بدعا من الاجتهاد والفكر، مما حذا بعدد من الباحثين مثل الأستاذ علال الفاسي إلى اعتباره من الأئمة السلفيين إلى جانب الإمامين ابن تيمية وابن القيم[30].

وفيما يخص الدعامة الثالثة التي تحمل صرح النظر المقاصدي للإمام الشاطبي فيتعلق الأمر بما تميز به عصره من انتشار للمذهب المالكي، خاصة ما عرفته حقبة بني الأحمر في الأندلس[31]، وهذا ما جعل من الإمام الشاطبي يستفيد من فقه الإمام مالك الذي يتميز بالنظر العميق في روح الشريعة الإسلامية وكلياتها، وكذا الجري على مقتضاها بما يوافق مقصود الشارع، ثم تعدد أصوله وتنوع قواعده، إضافة إلى تطور الاجتهاد فيه حتى أصبح جزءً من الواقع المعيش.

 ولهذا اختار الإمام الشاطبي السير على منوال المذهب المالكي حتى اشتهر عنه قوله “مالك هو إمام الاقتداء”، ثم إذا ما سئل أجاب في أغلب الفتاوى بقوله: “إن مذهب مالك..” أو “إن قاعدة مذهب مالك..” أو “سئل مالك بن أنس..” أو ما شابه ذلك.

ومن هنا نفهم لماذا لم يكن الإمام الشاطبي مجتهدا مستقلا رغم أنه صاحب نظرية رائدة في مقاصد الشريعة، واقتصر في أحسن أحواله على الاجتهاد داخل المذهب المالكي، ولعل هذا كله من شأنه أن ييسر له أمرين:

أولهما؛ التمكين المعرفي لنظريته المقاصدية وانتشارها بشكل واسع بين العلماء وطلبة العلم، وهذا ما حصل بالفعل.

 ثانيهما؛ اجتناب الدخول في خصام ونقاش مع فقهاء المالكية الذي من نتائجه تقويض اجتهاده وجلب متاعب جمة هو في غنى عنها، خاصة إذا علمنا أن فقهاء زمانه لا يرون فقيها بديلا عن الإمام مالك.

أخلص إلى القول بأن الإمام الشاطبي استطاع بمنهجه الاستقرائي أن يجمع بين فقه المالكية وفكر الأشاعرة وآراء الإمامين ابن تيمية وابن القيم واجتهاد علماء الأصول جمعا توافقيا عجيبا، نتج عنه نظر اجتهادي مقاصدي متميز، أسس به مشروعا واسعا للتدبر في معاني وحكم وأسرار وأهداف الشريعة، وكان فاتحة علمية لتدشين الانطلاقة لعلم قائم بذاته يسمى “علم مقاصد الشريعة”، وأنعم به وأكرم من مجال معرفي رائد في منهجه ضمن حقل العلوم الإسلامية.

  1. إحياء الاشتغال بالنظر الاجتهادي المقاصدي في الفكر الإسلامي الحديث

ذهب بعض الباحثين إلى أنه لا يعلم اشتغالا بالمقاصد بعد الإمام الشاطبي إلا أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وذلك حين تم نشر كتاب “الموافقات” من طرف حركة الإصلاح الديني بتونس، وكانت الطبعة الأولى له سنة 1884م، وهي نفس السنة التي زار فيها الشيخ محمد عبده تونس واطلع على الكتاب، ومن ثم لفت اهتمام تلامذته وأوصاهم بالاعتناء به كما يصرح بتلك الوصية كل من عبد الله دراز ومحمد الخضري[32].

ولا يمكن إخفاء أثر المدرسة الإصلاحية الحديثة في استئناف الاجتهاد المقاصدي وإعادة صياغة تصوره المنهجي والمعرفي. ولعل من أبرز الرواد في هذا المجال الشيخ المقاصدي الطاهر بن عاشور الذي نسج علاقة علمية بشيخه وأستاذه محمد عبده الذي يكن له محبة خاصة وإعجابا قل نظيره.

وقد توطد هذا التواصل العلمي بين العلَمين حين التقيا خلال زيارة الشيخ محمد عبده الثانية لتونس سنة 1903م، وكان عمر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ثلاثاً وعشرين سنة، بعد أن التقاه في زيارته الأولى سنة 1884م وعمره لا يتجاوز الثماني سنوات. ولهذا لا يذكر اسم الشيخ الطاهر بن عاشور إلا ونتذكر اللقب الذي لقبه به الإمام محمد عبده وهو: “سفير الدعوة الإصلاحية في الجامعة الزيتونة[33]”، وهذا يعني أن الطالب قد تأثر بالفكر الإصلاحي الذي تشبع به أستاذه، مما جعله يشارك في دعوات الإصلاح، وينظّر لمشاريع النهضة العربية الإسلامية وأطروحاتها، ويسعى إلى إصلاح المناهج السائدة على الساحة المعرفية، بدءً من إصلاح جامع الزيتونة وانتهاء بتجديد النظر المقاصدي.

وقد كان العطاء العلمي للشيخ الطاهر بن عاشور، كما وصفه بذلك الأستاذ الحبيب بن الخوجة،  غزيرا ومتنوعا، من تفسير للقرآن الكريم، ودراسة للحديث النبوي، وأصول الفقه، واللغة، والأدب، والنحو، والاجتماع، والتراجم، والتاريخ، حتى يمكن أن نقول إن الرجل تميز بحق عن سائر أقرانه في المغرب العربي[34].

 إلا أن مما اشتهر به العلامة الطاهر بن عاشور هو ميله الشديد إلى مقاصد الشريعة الإسلامية نظرا للفراغ الحاصل في هذا العلم، لهذا كان يؤكد في أقواله بأن الأمة الإسلامية بحاجة إلى علماء أهل نظر سديد في فقه الشريعة وتملك من معرفة مقاصدها[35]؛ مما دفعه رحمه الله إلى الرجوع إلى المقاصديين من علماء السلف فاستفاد منهم كثيرا، وخاصة شيخهم الإمام الشاطبي الذي اعتبره أنه أفاد جد الإفادة، وبذلك فهو يقتفي آثاره. إلا أن الأستاذ طه جابر العلواني ذهب إلى أبعد من هذا “الاقتفاء” حين أكد على أن ابن عاشور استطاع أن “يستدرك” على الشاطبي ما فاته وأن يمهد لبناء الفكر المقاصدي بأحسن ما يكون التمهيد[36].

ويرى الإمام محمد الطاهر بن عاشور أن المقصد العام من التشريع هو حفظ نظام العالم واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان، ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه..[37].

وهذا المقصد العام ينقسم إلى قسمين اثنين:

 ـ الأول؛ مقاصد التشريع العامة، وهي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع من ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضاً معان من الحِكَم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها..

وقد ذكر العلامة ابن عاشور، رحمه الله، من بين هذه المقاصد العامة: حفظ النظام، وجلب المصالح ودرء المفاسد، وإقامة المساواة بين الناس، وجعل الأمة قوية موهوبة الجانب..

ـ الثاني؛ مقاصد الشريعة الخاصة، وهي الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة، ويدخل في ذلك كل حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس، مثل قصد التوثق في عقد الرهن، وإقامة نظام المنـزل والعائلة في عقدة النكاح، ودفع الضرر المستدام في مشروعية الطلاق..[38].

وقد ذهب بعض الباحثين في مراجعته لفكر الطاهر بن عاشور أنه كان يصدر في همومه وآرائه الإصلاحية عن رؤية تاريخية وحضارية شاملة لمصائر الاجتماع الإسلامي، وهي التي شكلت نسقاً كاملاً من المفاهيم استخدمها ابن عاشور في نقد العلوم الإسلامية، وطرق توجه الدارسين إليها، وشروط إنتاج المعرفة والعلم وأهمية حرية المباحثة والنقد في هذا الصدد وأولويتها في تقليل الخلاف، رغم أن الرأي السائد أن قفل الباب أمام حرية المباحثة والنقد والانكفاء على التقليد يؤدي إلى تقليل الخلاف..

وعلى ذلك فإن آراء ابن عاشور في إصلاح مناهج التعليم وبيان كيفيات إصلاح الخلل في آحاد المعارف والعلوم الإسلامية، مثل علم الكلام والتفسير، واللغة، والمنطق، والفقه وأصوله، لهو إضافة جليلة في طريقة فهم المنطق الداخلي لتلك العلوم والسعي لتجديدها من خلال نظر كلي مثمر يربطها بهموم عصر المتعاطين لها، لا أن تقرأ بعصر من قاموا بإنتاجها لمواجهة مشكلات وهموم لا وجود لها. وعليه فإن في حركة العلم وتفاعله مع الواقع بوناًَ شاسعاً بين من يجتهد في فهم واقعه ويجد له حلولاً في نصوص الشريعة الخالدة وبين من يقبع في مقايسات عقيمة على حلول لمشكلات لا وجود لها.

فالذي يكفر بعقل القرن التاسع أو العاشر الهجري هو في حقيقة الأمر كما قال ابن عاشور: “عالة عليهم؛ (أي على أهل القرن التاسع أو العاشر) في العلم والعبارة والصورة والاختيار أيضاً”.. ومن كانت تلك حقيقته لا يرجى منه تطوير العلوم ولا فهم واقعه. فإن كان ذلك كذلك فإن حقيقة تطوير العلوم وبث الحياة فيها يقتضي نظراً في الواقع واقتناصاً للعبارة والصورة ملائماً لذلك الواقع. ولا يعني ذلك بحال من الأحوال تصور الواقع كما هو والوقوف على ذلك، ولكن تصويره وفهمه وتحريره ليوافق مقصد الشارع. ومن هنا يتضح لنا الدور الحيوي الذي تقوم به “فكرة المقاصد” بحسبانها قضية جوهرية في سبيل الإصلاح.[39]

لقد امتزج الإبداع المقاصدي عند الشيخ الطاهر بن عاشور بأثر الحركة الإصلاحية في الفكر الإسلامي الحديث التي كانت تبحث في أسباب نهوض المجتمع الإسلامي وأسباب جموده، وكذا الأسس التي يقوم عليها النظام الاجتماعي في الإسلام وقيمه ومقاصده، فأعطانا تلكم الثمرة الطيبة الموسومة بـ”أصول النظام الاجتماعي في الإسلام”.

وهذا المؤلف المتفرد في منهجه وموضوعه يمكن اعتباره ثورة في علم الاجتماع الإسلامي المعاصر من جهة، وصورة نموذجية لقمة التكامل المعرفي بين الحركة الإصلاحية في مشرق الإسلام ومغربه من جهة أخرى. وبذلك فهو يستحق عناية خاصة من الباحثين المقاصديين لاستخراج المضامين والمفاهيم التي دونها الإمام في مؤلفه، الأمر الذي يتطلب إعادة قراءته مرة ومرة.. فحق بذلك أن يكون الشيخ محمد الطاهر بن عاشور مجدد علوم المقاصد الخادمة للمجتمع الإسلامي بامتياز في العصر الحديث.

  1. ملامح تجديد منهج الاجتهاد المقاصدي في الفكر الإسلامي المعاصر

لم يقف أثر الحركة الإصلاحية الحديثة في الاجتهاد المقاصدي عند الإمام الطاهر بن عاشور فحسب، بل حمل المشعل العلمي المقاصدي ثلة من العلماء والباحثين المعاصرين الذين أهمّتهم نظرية المقاصد وأدركوا أهميتها في فهم الدين وأحكامه وأثرها في بناء الإنسان والعمران، كما هو الشأن عند الأستاذ علال الفاسي الذي اعتبر المقصد العام للشريعة الإسلامية يتجلى في عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كفلوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها، وتدبير لمنافع الجميع[40].

وقد استدل، رحمه الله، على هذا المنحى المقاصدي التجديدي بآيات الاستخلاف والعمران وإقامة العدل الواردة في كتاب الله المجيد، ليؤكد بعد ذلك أن مجموع هذه الآيات القرآنية يبين بوضوح أن الغاية من إرسال الأنبياء والرسل وإنزال الشرائع هو إرشاد الخلق لما به صلاحهم وأداؤهم لواجب التكليف المفروض عليهم. فمصدر العدالة الإسلامية هو إيمان المرء بأنه مكلف، وينشأ عنه وجوب طاعته للشريعة في أقواله وأعماله وتصرفاته؛ والشريعة أحكام تنطوي على مقاصد، ومقاصد تنطوي على أحكام[41].

لقد دافع الأستاذ علال الفاسي دفاعا كبيرا عن مقاصد الشريعة حتى بلغ الأمر عنده حد اعتبارها هي المرجع الأبدي لاستقاء ما يتوقف عليه التشريع والقضاء في الفقه الإسلامي. ثم أكد بعد ذلك أنها ليست مصدرا خارجيا عن الشرع الإسلامي، ولكنها من صميمه، وليست غامضة غموض القانون الطبيعي الذي لا يعرف له حد ولا مورد، ولكنها ذات معالم وصُوى كصوى الطريق[42].

 إن هذه النظرة المنهجية الدقيقة للشريعة وأحكامها لا تتأتى إلا لمن خبروا المقاصد وأحكموا الكليات، ثم نظروا في الأحكام من خلال ذلك. ومن فاته هذا المستوى، أهمل هذا النوع من النظر، وقع في التخبط والاضطراب، وأتى بالأقوال الشاذة المجافية لمقاصد الشارع، أو انتهى إلى العجز والانكماش، تاركا ما ليس لقيصر لقيصر، كما صرح بذلك المقاصدي المعاصر الأستاذ أحمد الريسوني[43].

بل إننا نجد هذا الباحث الفذ قد ذهب أبعد من هذا حين أكد على أن الشريعة مصلحة، والمصلحة شريعة: أما أن الشريعة مصلحة فأمر معلوم عند الخاصة والعامة إلا الظاهرية، وأما كون المصلحة شريعة فيتمثل عند علمائنا في عدد كبير من الأصول والقواعد التشريعية التي ترجع على اعتبار المصلحة. وأصرحها وأشهرها هو أصل (المصلحة المرسلة) الذي يعد حجة ومصدر تشريعاتها عند عامة الفقهاء، خلافا لما يشتهر من اختصاص المالكية بهذا الأصل..[44].

وقد استدل الأستاذ الريسوني في هذه المسألة بنص الإمام القرافي الذي قال فيه: “وأما المصلحة فغيرنا يصرح بإنكارها، ولكنهم عند التفريع تجدهم يعللون بمنطق المصلحة، ولا يطالبون أنفسهم عند الفوارق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرد المناسبة، وهذا هو المصلحة[45].”

وهكذا توسعت دائرة الاجتهاد في الفكر الإسلامي المعاصر باتساع العلم المقاصدي وذيوعه بين طلاب العلم والمعرفة، فبعد أن كان تعريف الاجتهاد محصورا بين الأمرين التاليين: الأول؛حمل ما يحتمل من الكلام محملين أو أكثر على أحدهما.. والثاني؛ قياس تمثيلي تلحق فيه واقعة وقعت وحدثت بواقعة مماثلة لها تعرض لها الكتاب و السنة.. انضاف إليهما نوع آخر من الاجتهاد وهو: الاجتهاد في ملاحظة مصلحة أو سد ذريعة أو تخصيص عموم أو أخذ بمفهوم أو نحو ذلك..[46]. 

 وحين صدر كتاب “الاجتهاد المقاصدي” للأستاذ نور الدين بن مختار الخادمي تناول فيه حقيقة الاجتهاد المقاصدي وتاريخه وحجيته، ثم ضوابطه ومستلزماته ومجالاته، وختمه عند الاجتهاد المقاصدي في العصر الحالي، وهذا يغنينا عن الرجوع إلى إثارة هذه القضايا والمسائل التي ناقشها الباحث مناقشة مستفيضة في مؤلفه. ولكن غاية ما في الأمر أن هذه الدراسة المتميزة تعتبر لبنة أساسية في تجديد بناء التصور المنهجي للعقل المقاصدي، وهي خطوة مهمة تفتح المجال أمام ثقافة مقاصدية رائدة، تكون معينا وزادا ونبراسا للعقل الإسلامي المعاصر، وتسهم في بنائه وتفعيل حركته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتؤصل عمله العلمي الرصين حتى يتسنى له القيام بالمهمة الصعبة الملقاة على عاتقه.

وقد صدق أحد الباحثين المعاصرين حين فهم الاجتهاد المقاصدي ذلك الفهم الذي يعني القدرة على تحديد الأهداف والمقاصد المرحلية والإستراتيجية.. ويعني كذلك القدرة على الربط بين الاستطاعة والحكم الشرعي المناسب للحركة في هذه المرحلة، والهدف الممكن تحقيقه في ضوء هذه الاستطاعة حتى ولو كان الهدف جزئيا، شريطة أن يكون هذا الهدف الجزئي بعضا من كل، أي جزء من الهدف الكلي، والرؤية الشاملة لمجال الحركة، بعيدا عن الرسم بالفراغ، والأماني والحماسات التي لم تورث إلا الإحباط، وبذلك يتحقق الفقه المطلوب لتنزيل الأحكام الشرعية على الواقع، ويحمي العمل الإسلامي من كثير من المجازفات والعشوائية..[47].

وتجدر الإشارة إلى أن هناك آراء سابقة لرأي الأستاذ الخادمي، دعت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى امتلاك القدرة المعرفية لمعالجة قضايا المجتمع بنظرة مقاصدية تجعل من الإسلام دينا صالحا لكل زمان ومكان. فالأستاذ فتحي الدريني انتقد بعض آراء الأصوليين القدامى والمعاصرين الذين قالوا بأن الاجتهاد بالرأي ينحصر فيما لا نص فيه.. وناقش القضية من جوانب متعددة، فخلص إلى أن الاجتهاد بالرأي كان في أول الأمر مرتبطا بالنصوص، فهما وتطبيقا، واستشهد على ذلك بما يقوي حجته ورأيه..[48] وحينما عرف الاجتهاد بالرأي أضاف إلى اجتهاد الأصوليين القدامى إضافة نوعية تبرهن على قابلية المناهج الأصولية القديمة للتجديد والتحديث، ويتجلى ذلك في إدراجه لمفهوم “روح الشريعة” في التعريف، فقال: “الاجتهاد بالرأي: بذل الجهد العقلي من ملكة راسخة متخصصة، لاستنباط الحكم الشرعي العملي من الشريعة نصا وروحا، والتبصر بما عسى أن يسفر تطبيقه من نتائج على ضوء مناهج أصولية مشتقة من خصائص اللغة وقواعد الشرع، أو روحه العامة في التشريع[49].”

ولعل الدارس لآراء الأستاذ الدريني فيما يخص الاجتهاد بالرأي، يلاحظ وجود نقط التقاء وتقاطع مع ما نص عليه علماء الأصول من خصائص الاجتهاد المقاصدي وأهدافه، إدراكا من الجميع بأن “الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية، والنصوص والأفعال متناهية، ومحال أن يتقابل ما لا يتناهى بما يتناهى[50].”

أما الأستاذ عبد المجيد النجار فإنه قسم الاجتهاد الخاص بالكشف عن مقاصد الأحكام إلى مرحلتين اجتهاديتين: الأولى؛ سماها “الاجتهاد في الفهم”، وهي التي يكون فيها الاجتهاد نظريا وتجريديا، أما المرحلة الثانية فتكون عند صياغة الأحكام بقصد تهيئتها لمعالجة الواقع..[51].

وبرجوعنا إلى الأستاذ أحمد الريسوني وأبحاثه الرصينة فإننا نجده قد خصص الفصل الأخير من دراسته الإمام الشاطبي ونظريته المقاصدية للحديث عن المقاصد والاجتهاد، وكانت مسالك الاجتهاد المقاصدي أهم ما ميز هذا الفصل[52]. وبذلك فهي تعتبر بحق الإطار المنهجي الذي يجب اعتماده والتركيز عليه للبحث في هذا الموضوع المهم الذي يثير كثيرا من الأسئلة والاستفسارات التي تحتاج إلى دراسة متأنية وبحث متعمق، ولعل هذا ما عبر عنه الأستاذ الريسوني في خاتمة كتابه، ودعا الباحثين إلى الإجابة عن الأسئلة العالقة في هذا المجال الذي نتحدث عنه، وسد الفراغ الحاصل في المكتبة الفقهية والأصولية.

أما الشيخ يوسف القرضاوي فقد اعتبر فقه مقاصد الشريعة من ركائز الفقه الحضاري للأمة، وأكد على أنه إذا كان الفقه التقليدي يعنى بجزئيات الأحكام الفرعية وشكلياتها، فإن الفقه الحضاري يعنى بمقاصدها وكلياتها وأسرارها، ونعني بها الحكم والأهداف الكلية، التي من أجلها شرع الله الأحكام، وفرض الفرائض، وأحل الحلال، وحرم الحرام، وحد الحدود[53]. كما أشار أيضا إلى الشمولية والتنوع الذي يميز مقاصد الشريعة فقال: “وينبغي أن نعلم أنها مقاصد روحية أو دينية، فإن أول المقاصد أو المصالح التي تسعى إليها الشريعة هو: المحافظة على الدين، وهو ما يشمل العقائد والعبادات. والدين جوهر الوجود، وروح الحياة.

 وهي مقاصد أخلاقية.. فالأخلاق لا تنفصل عن الدين.

هي مقاصد إنسانية؛ لأنها تعمل على المحافظة على كل حرمات الإنسان: دمه وماله وعرضه وعقله، كما تحافظ على كرامته وحريته.

هي مقاصد اقتصادية؛ لأنها جعلت المال من المصالح الضرورية التي تجب المحافظة عليها بكل الوسائل الممكنة.

هي مقاصد مستقبلية؛ لأنها لم تكتف برعاية الإنسان الحاضر، بل وجهت اهتمامها أيضا إلى إنسان المستقبل، حين جعلت من المصالح الضرورية التي ترعاها المحافظة على النسل[54].”

إن ملامح تشكيل عقل مقاصدي مجتهد ومجدد بدأت واضحة للعيان في الجهود المبذولة من طرف مجموعة من العلماء والباحثين المعاصرين. والجدير بالذكر، أن الدافع وراء هذه الخطوة العلمية التجديدية هو عين ما نص عليه علماء المقاصد الأوائل أنفسهم حين أكدوا على أنه لابد من الاجتهاد في كل زمان؛ لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان.[55] وإن مجرد الاتفاق في عصر على حكم لمصلحة لا يكفي في أبديته، بل لابد، مع هذا الاتفاق، من اتفاق آخر على أنه دائم لا يتغير[56]. كما أن هناك مصالح كثيرة ومفاسد متعددة تتأثر باختلاف الأحوال وتغير الظروف، فتتغير أوضاعها وسلم أولوياتها، ويتغير نفعها أو ضررها، مما يستدعي نظرا جديدا، وتقديرا مناسبا، ووسائل مناسبة[57].

خاتمة

لا جدال في المهمة الصعبة التي تنتظر علماء المقاصد في عصرنا الحالي، فلقد اختصوا بعلوم مهمة ومفيدة، فواجب عليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم في البحث عن مقاصد الشريعة، وهداية الحيارى والتائهين، وإرشاد الضالين، والجواب عن أسئلة السائلين الذين عجزوا عن إيجاد من يجيبهم عنها. فعليهم المعول في هذا كله وغيره، ومن واجبهم أن يرفعوا عن الأمة  أغلالها المفاسدية التي أنهكتها، وينيروا لها سبيلها نحو الصراط المستقيم، ويجددوا نهج شيخهم الإمام الشاطبي صاحب “عنوان التعريف بأسرار التكليف”، هذا الملمح المنهجي الذي يهدي صاحبه بلطف عجيب إلى معاني الوفاق والتوفيق، والعمدة في كل تحقق وتحقيق، والمرجع في جميع ما يعن للمرء من تصور وتصديق.

ويتضح من خلال كثير من الكتابات المعاصرة أن تجديد النظر في الاجتهاد المقاصدي أضحى مطلبا جماعيا، خاصة حين حصلت القناعة التامة على أن كثيرا من القضايا التي طرحت قديما هي نتيجة عملية اجتهادية قام بها علماء الأمة، وليس من المعقول أن نظل نعيش على ذكرى هذه الاجتهادات وعصرنا ليس هو عصرهم، وأيامنا ليست هي أيامهم، وقضايانا ليست هي نفس قضاياهم، وأحوال أمتنا اليوم تختلف كثيرا عما كانت عليه أحوالهم. فحق على علماء الأصول والمقاصد المعاصرين أن يسلكوا مسالك جديدة يحققون بها ما تتحقق به عظمة الإسلام، ويؤكدون صدق صلاح شريعته لكل مكان وزمان.

إلا أن ما يمكن ملاحظته هو أن بين الفينة والأخرى تظهر بعض الآراء “المنفلتة” من شِكال علم المقاصد، تعقبها استجابة واسعة ممن له بضاعة شرعية مزجاة من أبناء الأمة، خاصة حين يبلغ الأمر ببعض الاجتهادات المعاصرة العجيبة حد “المؤاخاة” بين المصلحة والمفسدة، الأمر الذي يؤدي إلى انحراف الفهم القصد..!

ومن هنا فإن الواجب العلمي في هذا المجال المعرفي يفرض التذكير بتنبيهين مهمين:

أولهما؛ أن يكون الباحث في الاجتهاد المقاصدي شديد العارضة، ذا قدرة على البحث والدراسة، أحوذيا حذقا، متمكنا من العلوم الشرعية لا يشذ عليه منها في مجال تخصصه إلا اليسير، حتى لا يعتبر بحثه تسويدا للورق أو تحليا بحلية السرق..!

وثانيهما؛ وضع ضوابط خاصة بالاجتهاد المقاصدي المعاصر، وهذا أمر مستعجل وضروري ومهم جدا، وذلك تجنبا لكل الأمور التي يمكنها أن تقوض البناء التجديدي لعلم المقاصد، أو تحدث فيه شروخا وثقوبا تؤثر على صلابته وتماسكه. وهذا لا يعني أبدا إنشاء قيود وضوابط جديدة للاجتهاد، أو إلغاء الاستعمال الواسع للعقل والنظر، كما يتوهم أصحاب النفوس الحساسة كلما تناهى إلى سمعهم ذكر مصطلح “ضوابط”..!

إن الدعوة إلى إعادة تشكيل “عقل مقاصدي مجدد” يجب أن تستمر في طريقها إلى الأمام، ولن تثنيها الخلافات الفرعية والهامشية عن سيرها وتقدمها، فهي ليست تيارا جارفا، وإنما ضرورة ملحة، أصلها ثابت في العلوم الشرعية، وفرعها يسري في المجتمع سريان الدم في العروق، تؤتي أكلها في جميع جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، وتنظر للمستقبل نظرة استشرافية تعيد الأمل للنفوس وتؤهل الأمة لقيادة حضارية جديدة ولعطاء إنساني نموذجي رفيع.

الكاتب: د. مولاي المصطفى الهند – جامعة الحسن الثاني / المحمدية – عضو المجلس الأكاديمي للرابطة المحمدية للعلماء

الهوامش

[1]. الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، ص180.

[2]. نور الدين بن مختار الخادمي، الاجتهاد المقاصدي، 1/39.

[3].محمد بن نصر، المقاصد الشرعية بين حيوية الفكرة ومحدودية الفعالية، مجلة إسلامية المعرفة، ع49، ص56.

[4]. ابن رشد، المقدمات، 1/132.

[5]. علي بن آدم الولولي: شرح سنن النسائي (ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)، 2/279.

[6]. انظر: القرافي، أنوار البروق، 1/32.

    ـ السبكي، منع الموانع، ص308 وما بعدها.

[7]. من أهم علماء المالكية الذين قالوا باستصحاب فعل المباحات للنية ابن جزي في “التسهيل لعلوم التنزيل”، 4/406، والشاطبي في “الموافقات”، 2/250.أهم علماء المالكيةالذين قالوا أ

[8]. ابن رشد، المقدمات، 1/109

[9]. ابن رشد، البيان والتحصيل، 1/282

[10]. انظر محمد التمسماني الإدريسي، الاجتهاد الذرائعي في المذهب المالكي وأثره في الفقه الإسلامي قديما وحديثا، ص31.

[11]. أحمد الريسوني: نظرية المقاصد عند الشاطبي. ص36.

[12]. أنظر سيرته في:

– سير أعلام النبلاء، للذهبي، 18/468.

– طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي، 5/164.

– وفيات الأعيان، لابن خلكان: 3/167.

[13]. انظر: قطب مصطفى سانو، أدوات النظر الاجتهادي المنشود، ص53.

[14]. انظر: مدارج السالكين، م، س، 2/75.

[15]. سير أعلام النبلاء، م، س، 18/471.

[16]. انظر كتاب قواعد المقاصد من “الإحياء”، 1/139.

[17]. المقدمة، 3/1069.

[18]. أنظر كتاب التوحيد والتوكل من “الإحياء”، 4/327.

[19]. التفسير الكبير، 6/148.

[20]. ابراهيم العقيلي، تكامل المنهج المعرفي عند ابن تيمية، ص216.

[21]. لطه جابر العلواني كلام نفيس في هذا الصدد صدر به كتاب إبراهيم العقيلي “تكامل المنهج المعرفي عند ابن تيمية”. ص21 و22.

[22].  الميزان بين السنة والبدعة، ص82.

[23]. اقتضاء الصراط المستقيم، 2/612.

[24]. الفتاوى، 7/115.

[25]. الموافقات، م، س، 2/262.

[26]. أنظر تميم الحلواني، الإمام الشاطبي والخصائص العامة لفكره. مجلة دار الحديث الحسنية، ع 13، ص256.

[27]. مجدي محمد عاشور، الثابت والمتغير في فكر الإمام الشاطبي، ص162-164.

[28]. أحمد الطيب، نظرية المقاصد ومدى ارتباطها بالأصول الكلامية، مجلة المسلم المعاصر، ع103، ص15.

[29]. نظرية المقاصد، م، س، ص194.

[30]. مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، م، س، ص94.

[31]. انظر سعد الله أبو القاسم، عصر الإمام الشاطبي، مجلة الموافقات، ع1، ص99.

[32]. انظر مقال معتز الخطيب، الوظيفة المقاصدية: مشروعيتها وغاياتها، مجلة إسلامية المعرفة، ع 48، ص27.

[33]. محمد الفضل بن عاشور، الحركة الأدبية والفكرية في تونس، ص83.

[34]. ابن عاشور، ص22.

[35]. مقاصد الشريعة الإسلامية، م، س، ص150.

[36]. أنظر تقديم طه جابر العلواني لكتاب: نظرية المقاصد  عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور لإسماعيل الحسني، ص16. وانظر كذلك ما أورده عبد المجيد عمر النجار في هذه المسألة في كتابه: فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب، ص143.

[37]. مقاصد الشريعة، م، س، ص63.

[38]. المرجع نفسه، ص145.

[39]. إبراهيم محمد زين، قراءة ومراجعة لكتاب “مقاصد الشريعة الإسلامية” للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي، مجلة إسلامية المعرفة، ع23، ص130.

[40]. مقاصد الشريعة ومكارمها، م، س، ص45-46.

[41]. المرجع نفسه، ص 47.

[42]. المرجع نفسه، ص 56.

[43]. نظرية المقاصد، م، س، ص332.

[44]. انظر كتاب: الاجتهاد: النص، الواقع، المصلحة، ص29-31.

[45]. الذخيرة: 1/154، نقلا عن المرجع السابق.

[46]. انظر: طه جابر العلواني، أصول الفقه الإسلامي، ص19-20.

[47]. عمر عبيد حسنة، من مقدمة كتاب “الاجتهاد المقاصدي” للخادمي، 1/22-23.

[48]. أنظر كتابه: المناهج الأصولية، ص 32.

[49]. المرجع نفسه، ص 36.

[50]. مقدمة كتاب بداية المجتهد لابن رشد، 1/6.

[51]. فقه التدين فهما وتنزيلا، كتاب الأمة، ع 22، 2/96.

[52]. انظر كتابه: نظرية المقاصد، م، س، من ص335 إلى ص356.

[53]. السنة مصدرا للمعرفة والحضارة، ص 230.

[54]. المرجع نفسه، ص232.

[55]. انظر: الموافقات، م، س، 4/75.

[56]. انظر: شلبي، تعليل الإحكام ص423. الزحيلي، أصول الفقه، 1/567. والخادمي، الاجتهاد المقاصدي، م، س، 1/42.       

[57]. أحمد الريسوني، نظرية المقاصد، م، س، ص265، وللإمام القرطبي كلام يؤكد ما نحن بصدد الحديث عنه؛ إذ قال: “.. ويفيد هذا ما قاله الأصوليون: إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم”. الجامع لأحكام القرآن، 11/310-311.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.