الملكية في المغرب: الدين أساس المُلك

0 1,095
بقلم: سعيد مبشور *

قليلة هي الكتابات “الرصينة” التي تناولت بالنقد والتحليل المنطلقات الفكرية والسياسية التي قامت على أسسها الحركة الإسلامية المغربية الحديثة، وسعت إلى تفكيك التداخل البنيوي الموجود داخلها بين ما هو سياسي اجتماعي وما هو عقدي دعوي، محاولة إيجاد الحدود الفاصلة بين كل ممارسة داخل هذه السياقات على حدة، وتحديد العلاقة الكائنة بين السياسي والدعوي.

أيهما يوظف الآخر؟ وإذا كان ثمة صراع وظيفي بينهما، فما السياق الذي يحسمه؟ فضلا عن ضرورة البحث عن موقع ودور ومساهمة السلطة السياسية في هذا الصراع، خاصة وهي السلطة التي تبني شرعيتها الأقوى على أساس الدين، وتتناوب في ممارستها عملية “التخادم” بين الدين في عمقه التاريخي الروحي المطلق والمقدس، والسياسة في طبيعتها الحربائية القائمة على ركائز المصلحة الدائمة والممكن المتغير.

في كتابه “الإسلام السياسي في الميزان: حالة المغرب”، والذي يعد حسب مؤلفه حسن أوريد النسخة العربية لكتابه باللغة الفرنسية ” l’impasse de l’islamisme :cas du Maroc”، يعرض الكاتب العديد من التقاطعات آنفة الذكر، فيحاول إبراز الخطوط الفاصلة بين أدوار الدين والسياسة والدولة، ليعود بنا إلى الأشكال الأولى للصراع بين البنى الاجتماعية التي شكلت ملامح المغرب التقليدي، وبنية الدولة الوليدة التي اتخذت من الحداثة عنوانا لمشروعها السياسي، دون أن تفرط في مرجعيتها الأصلية التي تضمن لها المتكأ التاريخي والديني، وكيف أن هذه الشرعية الدينية شكلت سلاح دولة الاستقلال الفعال في مواجهة طموحات الحركة الوطنية في اقتسام النفوذ ومزاحمة القصر على العرش.

ثلاث شرعيات لدولة واحدة

لقد اعتمدت دولة الاستقلال أساسا على ثلاث شرعيات، إحداها هي شرعية الكفاح الوطني، التي كانت تشترك فيها مع باقي مكونات الحركة الوطنية، إذ شكلا صفا واحدا في مواجهة السياسات الاستعمارية، ودافع كل من القصر والحركة الوطنية من خندق واحد عن مشروعية التحرر من الاحتلال، ومن خلالها عن شرعية وجود كل طرف منهما وضرورته لوجود الآخر. وقد ظهرت هذه المعادلة جلية في فترة نفي الملك محمد الخامس، حين اتخذت الحركة الوطنية من رجوع الملك الشرعي عنوانا للنضال من أجل الاستقلال، واستقرت في وعي الملك محمد الخامس استحالة الحصول على الحرية دون امتداد شعبي وسياسي يؤطره وعي وطني يسهر عليه رجال الحركة الوطنية.

وكان من الجلي إبان فجر الاستقلال أن يشكل القصر والحركة الوطنية جسدا واحدا في مواجهة أعباء بناء المغرب الجديد، يتطور أحيانا إلى رؤية “ندية” عبر عنها الزعيم علال الفاسي في خطابه بطنجة سنة 1956، حين قال: “ليس في المغرب من قوة إلا قوات ثلاث: أولا قوة حزب الاستقلال، وقوة جيش التحرير، وثالثها قوة القصر، وإذا اعتبرنا جيش التحرير قوة من الحزب وإليه، كانت في المغرب قوتان لا ثالث لهما: قوة حزب الاستقلال وقوة القصر أو العرش”.

لكن الكفاح الوطني المشترك سرعان ما سيتحول إلى نقطة خلاف مركزية بين القصر ومكونات الحركة الوطنية بعد الاستقلال، إذ ستهيمن فكرة الشراكة في الحكم على القوى السياسية الأساسية ورموزها آنذاك، بينما ستقع تحولات داخل القصر نفسه بوفاة الملك محمد الخامس، وانكماش الدولة إلى مواقع الحفاظ على وجودها الفعلي والتاريخي دون الحاجة إلى اللجوء إلى “شركاء” يمنون عليها فضل “الاستمرار”، وهو الصراع الذي سينتج عنه انقسام طويل الأمد في الحقل السياسي المغربي في عهد الحسن الثاني، إلى نظام سياسي فردي، مغرق في استدعاء التقاليد، وأحزاب وطنية مرتهنة إلى طموحات الاستفادة من ثمار الكفاح والانتصار على الاحتلال الأجنبي من خلال الصعود إلى سدة الحكم.

أما الشرعية الثانية التي اعتمدتها الدولة المغربية الناشئة فهي ما يمكن أن نسميه الشرعية الدستورية، بالاستناد إلى خطوتين هامتين؛ أولاهما كانت في 8 ماي من سنة 1958، بإصدار وثيقة “العهد الملكي”، باعتبارها أول وثيقة ذات طابع دستوري، تحدد طبيعة الملكية في المغرب، ملكية دستورية، والنظام السياسي باعتباره نظاما تعدديا، قبل أن تتم تزكية هذه الأسس في الدستور المغربي الأول لسنة 1962، الذي قام فيه واضعوه بـ”دسترة” التعددية السياسية، وبالتالي سد الطريق أمام أي إمكانية لهيمنة قوى سياسية بعينها على المجال السياسي، وفتحها بالمقابل أمام إمكانية تأسيس قوى سياسية جديدة، أو بالأحرى شرعنة إنشاء “شركاء” جدد من خارج قوى الحركة الوطنية. والأهم من هذا وذاك هو أن دستور 1962 قد قام بالفعل بتمتيع الدولة بالطابع الديني عبر إقرار نظام إمارة المؤمنين، وهذه المرة باقتراح وإشراف كل من زعيم حزب الاستقلال علال الفاسي، وقائد جيش التحرير عبد الكريم الخطيب.

وهكذا تم تثبيت الشرعية الثالثة، القائمة على أساس ديني، والتي طالما كانت جزءا من بنية النظام السياسي المغربي طوال قرون من الزمن، أولا باعتبار نظام الحكم في المغرب امتدادا للخلافة الإسلامية، إن من حيث كون المغرب أصبح تابعا لها منذ بداية “الفتح الإسلامي”، أو من حيث التجربة الاستثنائية التي أسسها إدريس الأول لدى قدومه إلى المغرب، بإقامته لأول نظام سياسي “إمامي” متمرد على السلطة المركزية في الشرق العربي، ومحافظ في الآن نفسه على الأسس التي قامت عليها كل الدول الإسلامية المتعاقبة.

في غضون ذلك تأسس داخل قوى الحركة الوطنية تيار تمرد على البنية التقليدية للدولة، وناوش السلطة في اختياراتها السياسية، وتبلورت رؤاه في اتجاه تبني التوجه الاشتراكي الذي كان جنينيا آنذاك في المنطقة العربية، وأخذت المسافة تزداد اتساعا بينه وبين الدولة، إلى أن تطورت إلى مواجهة شاملة ومباشرة، نتجت عنها عقود من الصراع، كان فيها كل طرف يبحث عن الأسباب المؤدية لاجتثاث الآخر، فشكل الدين عنصرا أساسيا في الصراع.

“استحداث التقاليد” لجعل الدين في قلب الصراع

كان المرحوم الحسن الثاني يلجأ إلى استعمال الدين كلما لاحت الفرصة لذلك، إيمانا منه بقدرة الخطاب الديني على شرعنة أي إجراء قد يتخذه في حق المعارضة، خاصة حينما تعجز الدولة عن مواجهة معارضيها بالحقائق السياسية والوقائع الدستورية، ويبدو معها الخطاب الاشتراكي الناشئ قادرا على استمالة “الجماهير” بشكل حاد. حينها كان “اليسار” يتحول في الخطاب الرسمي المشبع بالرموز الدينية إلى مجموعة من الناقضين للبيعة و”الملحدين” و”المارقين” و”الخارجين عن الجماعة والإجماع”.

وكانت الأحزاب الناشئة من رحم المد الاشتراكي العالمي ترفض الخطاب الديني من منطلق أنه وسيلة من وسائل إخضاعها لسلطة الدولة، وتعتبره مناورة للالتفاف على مشروع الدولة الوطنية، وعلى قيم القطيعة الحداثية التي كانت تتأسس عليها ثقافة النخب السياسية والاجتماعية الجديدة في البلاد، في مقابل ما كانت تقوم به الدولة من “استحداث” للتقاليد حسب تعبير الدكتور أوريد، الذي يستقي تعبيره “استحداث التقاليد” من المؤرخ البريطاني “إريك هوبسباوم”، الذي يعتبر في كتابه المشترك مع “تيرينس رينجر”، والمعنون في ترجمته العربية بـ”اختراع التقاليد”، التقاليد الوضعية “مجموعة من الممارسات تحكمها قواعد ذات طابع طقسي أو رمزي”، شرط أن تكون “مقبولة علنيا أو ضمنيا”، وأن يكون من بين أهدافها “غرس قيم ومعايير سلوكية معينة من خلال التكرار”؛ وهو ما يعني في رأي هوبسباوم “التواصل مع الماضي”، لأن هذه الممارسات تحاول فعليا “تحقيق الاستمرارية مع ماض تاريخي مناسب”.

ويومئ المؤرخ حسن أوريد إلى أن الدولة في “استحداثها” للطقوس المخزنية إنما كانت تعبر عن حالة مقاومة لأزمة المشروعية التي كانت تمر بها، ومن خلال هذا التعبير تلجأ إلى الإغراق في الطقوس الرمزية التي تبرز على الخصوص في حفلات التعيين، أو تجديد البيعة، أو المناسبات الوطنية، أو في الظروف التي توافق الخروج بقرارات سياسية كبرى، بما يرسخ شرعية الملكية ويسحب البساط من الأحزاب التي حاولت فرض رؤاها وأساليبها في السيطرة على الدولة.

“البعث الإسلامي” في مواجهة المعارضة “اللائكية”

شكلت الشرعية الدينية مجال صراع استثمرته الملكية بشكل جيد عبر استفادتها من العامل الديني الذي يوفر لها مجالا للحكم مواز للمجال السياسي، بشكل يضمن لها الانتقال السلس حسب الضرورة من الإطار السياسي المسيج بقواعد الصراع والندية، إلى الحقل الديني مطلق الآفاق والصلاحيات، ما يمنح المؤسسة الملكية مساحات واسعة من الفعل والمبادرة تفتقدها باقي القوى المشاركة في العملية السياسية، وهو ما سيتضح من خلال تبني الدولة لإجراءات “احترازية” ترتكز بالأساس على إظهار الدولة بمظهر المؤسسة الحامية للدين من “الشيوعية” والحامية للمجتمع من “الانحلال”، في صراعها مع المعارضة اليسارية المتجذرة آنذاك في مختلف الفئات الشعبية، ومواجهتها لمخلفات النزعات الانقلابية التي كان يقودها ضباط ذوو خلفيات قومية ويسارية، وذلك عبر تقنين “احترام” الدين، مثلما كان عليه الأمر في تشريع العديد من العقوبات في حق المخالفين لبعض أحكام الدين، مثل المجاهرين بالإفطار في رمضان. كما تم الشروع في إحداث وهيكلة المؤسسات الدينية الرسمية وإنشاء المعاهد المتخصصة، و”مأسسة” المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، وتشجيع انتشار المظاهر الدينية في المجتمع جوابا على انتشار الثقافة “اللائكية” كما سماها المرحوم الحسن الثاني في خطابه ليوم 9 يوليوز 1972. (1)

ففي هذا الخطاب الذي يعتبره بعض الدارسين (2) مرجعا لتأسيس الحركة الإسلامية بالمغرب، باعتباره خطاب إعلان السنة التي تليه سنة لـ”البعث الإسلامي”، إذ حدد فيه معالم الشخصية المغربية “المحافظة”، وملامح سياساته في مجالات التربية والتعليم والحياة العامة، قبل أن يؤكد في نهاية الخطاب:

“وإذا كنا نعلم أن رحمة الله سبقت غضبه، وأنه سبحانه وتعالى يلهم الخلق حتى يرجعوا إلى الطريق السوي، وإذا كنا نعلم أن الإسلام دين الجماعة وليس دين الفرد، وأن الإسلام قبل كل شيء مبني على التعامل النقي الطاهر في سبيل فلسفة وغزو ومعركة، فلي اليقين أننا سنجعل من سنتنا المقبلة سنة بعث إسلامي.

وأنا أشعر أن كلامي هذا سيجد الصدى الحسن في قلب وذهن كل مغربي، لأنني أشعر وحاستي السادسة تشعر بأن جميع الناس في حاجة إلى بعث إسلامي وتجديد إسلامي وحركة إسلامية”.

وسيتأكد هذا المنحى في السنة نفسه بتعيين أحد رموز السلفية الوطنية، وهو الشيخ محمد المكي الناصري، وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية (3)، أنيطت به مهمة “تديين” الحياة العامة، و”إصلاح” ما أفسدته السياسة والثقافة الجديدة، وهو ما تؤكده شهادات بعض معاصري تلك المرحلة من الإعلاميين (4):

“عام 1973 (…) كانت التلفزة قد أعدت للمناسبة برامج خاصة (بمناسبة الاحتفال برأس السنة الميلادية) أغلبيتها سهرات وحفلات موسيقية منقولة عن قنوات تلفزيونية أوربية، ولكن التدخل القوي لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الشيخ محمد المكي الناصري إذ ذاك، والضغوط التي مارسها على الدوائر العليا، أوقفت ما سماها الوزير بالبدعة النكراء”.

ومن الإسلاميين جوابا عن دور سياسة البعث الإسلامي التي أشرف عليها المكي الناصري في تعزيز موقع الحركة الإسلامية:

“حينما هاجمت الحركة الماركسية المغربية الدين، حاول النظام المغربي الظهور بمظهر المدافع عن عقيدة الأمة ودينها، وهذا شيء كان منتظرا من نظام حكم المغرب لقرون وفهم جيدا علاقة المغاربة بالدين الإسلامي، فقد صدرت، مثلا، مذكرة تدعو إلى أداء صلاتي الظهر والعصر داخل المؤسسات التعليمية، أي أنه كان هناك تشجيع على التدين، كما تم تشجيع العلماء على لعب دور أكثر فاعلية في التوعية الدينية، ولم تمانع الدولة في إنشاء جمعيات دينية وحتى مدارس للقرآن الكريم ذات توجه سلفي، وشجعت الزوايا الطرقية، كما سمحت للحركة الإسلامية الناشئة ولرجال التبليغ باستعمال المساجد في أنشطتهم” (5).

الإسلام في مواجهة الإسلاميين

عد حسن أوريد توجه الملكية المتمثل في “استحداث التقاليد” أداة لـ”الضبط” في مواجهة الخصوم. وإذا كانت الفترة الأولى من حكم الملك الراحل الحسن الثاني قد عرفت استخدام “التقاليد” في إمالة الكفة لصالح الملكية في مواجهة الأحزاب والقوى المتجدرة من الحركة الوطنية، فإن الفورة الإسلامية التي أعقبت نجاح ثورة الخميني في إيران سنة 1979، ستدفع بالدولة إلى شحذ السلاح نفسه في مواجهة موجة الحركات الإسلامية، التي استفادت من الهامش الكبير الذي أتاحه التواجد المتصاعد للدين في الفضاء العام، وحولت “البعث الإسلامي” الذي انتهجته الدولة إلى “حراك” إسلامي منظم وآخذ في الانفلات.

وعلى الرغم من الموقف المغربي الملتبس الذي كان سائدا إبان الثورة الإسلامية في إيران، والعلاقة الخاصة التي كانت تجمع بين شاه إيران محمد رضا بهلوي والحسن الثاني، فقد حرص الأخير على الانفتاح في بداية الأمر على الحكام الجدد لطهران، لأن “المملكة المغربية تقيم علاقات مع إيران وليس مع الشاه”؛ كما صرح الحسن الثاني نفسه للتلفزة الأمريكية “إي، بي، سي” (6)، ولعل مثل هذا الموقف هو ما حذا بعلماء المغرب المجتمعين في مؤتمرهم السنوي بمدينة وجدة سنة 1979 بحضور مستشار الملك، أحمد بن سودة، إلى إرسال برقية تنويه وإشادة إلى الإمام الخميني، موقعة باسم عبد الله كنون (7)، الأمين العام لرابطة علماء المغرب، يحيون فيها انتصار الحركة الإسلامية في إيران، ويقولون فيها: “إنها لحركة مباركة هذه التي تقودونها بحكمة وتبصر في نطاق البعث الإسلامي والتحرر من الهيمنة الأجنبية التي فرضها الغرب والشرق على الساسة والشعوب العربية والإسلامية”.

بل إن رابطة علماء المغرب أكدت تضامنها مع الخميني حين أضافت: “إننا نؤكد لكم أننا سنبقى مرابطين في خط المقاومة لكل مذهب أو نظام غير إسلامي حتى تتحقق الوحدة الإسلامية وتتحرر فلسطين والقدس الشريف وسائر بلاد الإسلام” (8).

لكن هؤلاء العلماء أنفسهم سرعان ما سيتراجعون عن موقفهم المهادن لثورة الخميني، في فتوى نارية (9) رفعوها إلى الملك الحسن الثاني باعتباره أميرا للمؤمنين، ينقلون فيها إجماعهم على “إدانة الخميني استنادا إلى الكتاب و السنة”، معللين فتواهم بتطاول الخميني “حتى على مقام الملائكة و الأنبياء والمرسلين”، وهو ما أكده الحسن الثاني نفسه في الخطاب الشهير الذي كفر فيه الخميني استنادا إلى الفتوى المذكورة.

لقد كان الحسن الثاني مدركا لحجم العداء الذي سيخلق بينه وبين الخميني، خاصة وهو الذي استقبل صديقه الشاه المخلوع وتضامن معه في بداية منفاه مبعدا من إيران، وهو العداء الذي سينقل أصداءه مدير المخابرات الفرنسية ألكسندر درومارانش، للشاه نفسه، عارضا عليه مغادرة المغرب وهو يؤكد له: “إن مضيفك الحسن الثاني في خطر، لأن الخميني يمهد لاختطاف أفراد عائلته انتقاما لاستقبالك” (10).

هذا العداء الذي سيتحول إلى مواجهة مفتوحة بين الطرفين، هوجمت خلالها السفارة المغربية بطهران، وفق شهادة للبروفيسور الراحل عبد الهادي التازي (11)، وحاول فيها نظام طهران استمالة بعض الإسلاميين، كما اعترف خلالها الخميني بجبهة البوليساريو، واستقبل فيها معارضين للملكية، مثلما حدث مع المعارض الاتحادي الشرس محمد الفقيه البصري الذي نشرت صحيفة الشعب الجزائرية في عددها ليوم 25 مارس 1979 تفاصيل الاستقبال الرسمي الذي خصه به زعيم الثورة الإيرانية، بوصفه ممثلا لحركة التحرير الوطني المغربي، في مهرجان جماهيري أقيم بمدينة قم (12).

وردّ الحسن الثاني بتزعم قرار عربي مبكر بضرورة التصدي لنتائج ثورة “الخميني”، وتقديم الدعم اللامشروط للنظام البعثي في العراق وقائده صدام حسين وهو يخوض حرب الخليج الضروس التي امتدت أكثر من ثماني سنوات ضد إيران. كما أن الملك الراحل انبرى كأمير للمؤمنين للدفاع عن أهل السنة في مقابل الخميني صاحب نظرية “ولاية الفقيه” الجامعة لشتات الشيعة، والحاملة لمشروع رآه الحسن الثاني ومعه مختلف الممالك الخليجية خطرا محدقا بـ”العالم السني”. (13).

وكان من البديهي أن يكون الإسلاميون بكل أطيافهم في طليعة المتأثرين بالمد الثوري الجديد، فقد كانت ثورة الخميني بالنسبة لشيخ سلفي التكوين مثل محمد الفيزازي: “سفينة نجاة.. كان لا بد أن نضع أنفسنا في ذلك المناخ يومها، حيث كان التمظهر بمظاهر الإسلام من قبلُ منعدما إلا في صفوف العجائز. كانت تلك، إذن، أول مرة نسمع فيها أن أولئك الملتحين يقومون بـ”ثورة” وتقوم لهم دولة، فكنا، إذن، حينها نتظاهر بأننا مغاربة، رغم أن قلوبنا مع إيران، كنا لم ندرك بعدُ البعد الشيعي والبعد العقدي للثورة.. كانت هناك أشياء كثيرة لم ندرسها، وأذكر أنني كنت ألتقط إذاعات إيرانية بالعربية موجهة للعالم العربي، بهدف “تصدير الثورة” إلى جل الوطن العربي الإسلامي. وقد كانت هناك عداوة قوية بين الحسن الثاني وآية الله الخميني.. المهم هو أن الثورة الإيرانية تركت، فعلا، بعض البصمات في حياتي”. (14).

بل إن الفيزازي لم يرقه نصح العلامة عبد الله كنون له بالابتعاد عن التأثر بالثورة الإيرانية.. “زرته في بيته وأكلت من طعامه، في سنة 1982 تقريبا، وقد تحدثت معه عن الثورة الإيرانية واشمأزت نفسي عند ذكره للخميني والثورة الإيرانية على أنها شر ومصيبة، فكنت أقول سبحان الله كيف يفكر هذا الشيخ.. لكنْ، في ما بعدُ، تبيَّن لي أنني كنت على خطأ وأن الشيخ عبد الله كنون، رحمه الله، هو من كان على صواب” (15).

ولم تسلم أي من الحركات الإسلامية من هذا التأثر، بل إن إيران سعت إلى خلق تنظيمات وأذرع متقدمة لها في المغرب، وفق ما كشفته محاكمات مجموعات الإسلاميين في 1984، والتي أماطت اللثام عن وجود تنظيم موال لإيران تحت اسم “منظمة الثورة الإسلامية”، ينحدر تنظيميا من مخلفات حركة الشبيبة الإسلامية التي أسسها عبد الكريم مطيع أوائل السبعينيات، وتركز نشاطه في أوربا، ودخل بحسب ما رشح من اعترافات مجموعة “بلعيرج” المعتقلة سنة 2007، في تنسيق مع حركة “جند الإسلام” أو “الاختيار الإسلامي” التي وإن كانت غير شيعية عقديا، إلا أن غالب أدبياتها اعتمدت على طروحات شخصيات شيعية، مثل الشيخ محمد حسين فضل الله والدكتور علي شريعتي.

إلا أن هذه الأجواء لم تمنع من تأسيس حركتين إسلاميتين نأتا منذ بدايتهما عن الوقوع في التبعية الخارجية، وهما جماعتا العدل والإحسان التي أسسها المرحوم عبد السلام ياسين سنة 1974، والجماعة الإسلامية التي أسسها عبد الإله بنكيران سنة 1981، هاتان الجماعتان اللتان ستشكلان ملامح المشهد “الإسلامي” منذ الثمانينيات وإلى اليوم.

بين “أسلمة الحداثة” و”أسلمة التوازن”

بالنسبة لعبد السلام ياسين، الذي يصفه حسن أوريد بالرافض لكل من الديمقراطية والعلمانية، والذي هو بالمناسبة رافض بشدة أيضا للعنف، فإنه حاول إرساء نموذج توفيقي بين الخطين التقليدي والعصري بما سماه أوريد “أسلمة الحداثة” في مقابل “تحديث الإسلام”، وفي إطار مواجهة عملية “تنقيح التقاليد” لـ”ترجيح” ميزان الحداثة التي كان يقوم بها الحسن الثاني، خاصة مع وصوله في مرحلة متقدمة من الحكم إلى الاقتناع بضرورة الانفتاح على المعارضة التقليدية، تفاديا للوقوع تحت تأثير الفوضى العابرة للحدود، بفعل ما كان يمثله الوضع في الجزائر من خطر داهم على المغرب مع مطلع التسعينيات، مع دخول البلد الجار في حرب أهلية أحد طرفيها هو حركة إسلامية تم “الانقلاب” على شرعيتها الانتخابية، على الرغم مما قد يكلفه هذا الانفتاح على المعارضة اليسارية من تنازل عن بعض “التقاليد” التي عرف الحسن الثاني كيف يزاوج بينها وبين “حداثة” الوافدين الجدد، دون الإضرار بالجوهر التقليدي للملكية.

لكن عبد السلام ياسين، المؤمن بالتدرج من الدعوة إلى الدولة، ترك حسب أوريد جماعته متأرجحة بين اتجاهين، أحدهما تقليدي منشغل بتأصيل وتثبيت المفاهيم والنظريات، وتمثله مؤسسة المرشد وجيل التأسيس، والثاني سياسي عملي، أو لنقل براغماتي، يمثله الفاعلون على مستوى الدائرة السياسية وجيل الانفتاح على التجارب والأفكار والمتغيرات الجديدة في الحقل الإسلامي. هذان الاتجاهان لم يستطع أحدهما إلى الآن الطفو أكثر من الآخر، فلا تجذر المنهج الأول الذي خطه ياسين ويمثل استمراره المرشد العام للجماعة، بثقله الرمزي والروحي على باقي أعضائها، ولا تحرر الأداء الذي يمثله جيل السياسيين من أبناء الجماعة الذين نجحوا في تشكيل خطاب سياسي يمثل بشكل ما استمرارا لما اعتبره حسن أوريد سعيا من عبد السلام ياسين إلى “أسلمة” الحداثة أو “امتلاكها” عبر القوالب الدينية.

أما تجربة بنكيران فهي عملية إدماج مبكر لجزء هام من الإسلاميين في عملية التوازن السياسي التي كان يحرص عليها المرحوم الحسن الثاني، والتي تقوم إحدى ركائزها على عدم الإبقاء على أي طرف معارض خارج “اللعبة”، ولو عن طريق تشجيع إحداث انشقاقات داخله، وهو الأمر الذي مارسه الحسن الثاني مع اليسار قبل الإسلاميين. وإذا كان اليسار قد دخل لعبة السياسة مبكرا بفعل أسبقية المد الاشتراكي التاريخية وفعاليته، وفرض بذلك على الدولة تطوير أساليب تطويقه كقوة اجتماعية جارفة، والبحث عن توازنات دائمة على الساحة السياسية لفرز نخب بديلة وقادرة على المنافسة أمام الخطابات غير التقليدية، فإن الأمر في حالة الإسلاميين تأخر بفعل تأخر الحركة الإسلامية عن الظهور كمكون اجتماعي وسياسي، وبفعل ظهورها في الآونة التي شهدت قمة الصراع بين الحسن الثاني ومعارضيه، سواء كانوا من داخل قوى اليسار أو من داخل الجيش بفعل تأثيرات ذات طبيعة اشتراكية وقومية.

وقد شكلت جماعة بنكيران في بدايتها موئلا للرافضين لعنف حركة الشبيبة الإسلامية والتنظيمات المتفرعة عنها، والطامحين إلى ممارسة الدعوة دون التطلع إلى الاستيلاء على الدولة، والنائين بأنفسهم عن القمع الذي واجهت به السلطة معارضيها خاصة في بداية عقد الثمانينيات، وأسست بانخراط هذه الفئات خطا سياسيا “إسلاميا” مخالفا للخط الذي انتهت إليه حركة الشبيبة الإسلامية التي اتهمت على الخصوص بالضلوع في جريمة اغتيال القيادي الاتحادي البارز عمر بن جلون سنة 1975، وإن كان العديد من أطرها الناشئة أعضاء سابقين في خلايا شبيبة مطيع. وشكلت جمعية “الجماعة الإسلامية” مع جماعة العدل والإحسان موقفا موحدا من العمل السري والعنف ومن التعامل مع الخارج، لكنهما اختلفتا في الموقف من النظام السياسي، ففي حين اختارت العدل والإحسان منهج “النصيحة لأولي الأمر” بمنطق المعارضة، كان بنكيران ورفاقه يؤسسون لحركة إسلامية تعمل وفق قواعد الشرعية القانونية بمنطق “الطاعة لأولي الأمر”، وبمراعاة تامة للضوابط والحدود التي تضعها الدولة لكل الفاعلين.

هذا التوجه هو الذي سيقود رفاق بنكيران من المسار الدعوي إلى المسار السياسي، مستفيدين بذلك من آليات التوازن التي فرضت إدماجهم التدريجي في الحقل السياسي، ليصل الأمر بهذه الجماعة إلى لعب دور أساسي في عملية التوازن على ثلاثة مستويات، أولها المستوى الديني، حيث ساهمت في تعزيز قدرة الدولة على ضبط الحقل الديني من خلال مزاحمة القوى والحركات العاملة خارج إطار الشرعية، والمستوى الثاني هو ذاك المتعلق بمساهمة مجموعة بنكيران في تأمين عملية “التوافق الديمقراطي” التي أرساها الملك الحسن الثاني باتفاق مع المعارضة التقليدية، وأنتجت دينامية “التناوب التوافقي”، إذ تم السماح لبنكيرن بتأسيس حزب سياسي هو العدالة والتنمية تحت مظلة واحد من رجالات “المخزن” ورموز المقاومة الدكتور عبد الكريم الخطيب، لتتحقق بذلك معادلة تكسير بنية المعارضة المطالبة بالسلطة وتأسيس المعارضة العاملة من داخل بنية السلطة.

أما المستوى الثالث من عملية “الضبط” والتوازن التي شارك في إدارتها رفاق بنكيران من موقعهم الحزبي، فهي تلك المتمثلة في لعب دور الواقي من الصدمات “pare-chocs” عند اجتياح رياح “الربيع العربي” لمحيط المغرب الإقليمي، حيث ساهم الحزب بشكل كبير في امتصاص غضب الشارع المغربي، سواء عبر ترديد أبرز الشعارات التي رددتها جموع المتظاهرين ضمن حراك “20 فبراير”، أو من خلال مبادرة الدولة إلى مباشرة إصلاحات دستورية وإجراء انتخابات تشريعية كانت نتائجها محسومة مسبقا بفوز الإسلاميين الذين اكتسحوا الشارع العربي، وتبوؤوا مواقع السلطة ومراتب الحكم، وهي قاعدة قاهرة لم يشذ عنها حزب العدالة والتنمية في المغرب.

وبدخوله غمار السياسة من باب تسيير الدولة هذه المرة، يكون حزب العدالة والتنمية قد أسس لتعاقد سياسي جديد، خرجت منه الدولة رابحة مرة أخرى بفضل تحقق معادلة جديدة، يمكن أن نسميها إعادة هيكلة الحقل السياسي باستدعاء شريك في الحكم ليس في حقيقة الأمر سوى وجه آخر من وجوه “استحداث التقاليد”.

  • عضو الأمانة العامة لحزب النهضة والفضيلة

هوامش:

(1): يمكن الاطلاع على النص الكامل للخطاب على الرابط التالي

http://discoursh2.abhatoo.net.ma/Doc/600.pdf

(2): مقال عبد الله لعماري المنشور على موقع هسبريس بعنوان “نوفمبر شهر الإسلاميين في المغرب”.

http://www.hespress.com/writers/67130.html

(3): “الشيخ محمد المكي الناصري .. وزيرا للأوقاف” مجلة دعوة الحق العدد 149 ويمكن مراجعة نص المقال على صفحة المجلة بالموقع الإلكتروني لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/3736

(4): حوار مسلسل للإعلامي المغربي محمد بن ددوش مع صحيفة المساء حلقة يوم 26 يوليوز 2011

(5): حوار مسلسل للقيادي الإسلامي المصطفى المعتصم مع صحيفة المساء حلقة يوم 22 يوليوز 2012

(6): حلقة يوم 13 غشت 2011 من حوار مسلسل للإعلامي المغربي محمد بن ددوش مع صحيفة المساء

(7): نفس المصدر

(8): مصطفى العلوي: الأمريكيون يواخذون المغاربة على التهاون ـ ركن الحقيقة الضائعة بجريدة الأسبوع الصحفي منشور بتاريخ 19 أكتوبر 2014 على رابط موقع الصحيفة الإلكتروني:

الحـقــيقة الضــــائعة | الأمريكيون يواخذون المغاربة على التهاون

(9): “فتوى علماء المغرب حول تصريحات الخميني المنافية للعقيدة الإسلامية” مجلة دعوة الحق العدد 206 منشور على صفحة المجلة بالموقع الإلكتروني لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/5347

كما يمكن الاطلاع على موقف الملك الراحل الحسن الثاني من الخميني المبني على الفتوى المذكورة أعلاه في تسجيل لخطاب متلفز يورده موقع اليوتيوب على الرابط:

(10): مصطفى العلوي: الملكيات في خطر .. نموذج الحرب الأمريكية لإسقاط الشاه ـ ركن الحقيقة الضائعة بجريدة الأسبوع الصحفي منشور بتاريخ 8 سبتمبر 2016 على رابط موقع الصحيفة الإلكتروني:

الحقيقة الضائعة | الملكيات في خطر… نموذج الحرب الأمريكية لإسقاط الشاه

(11): حلقة يوم 13 غشت 2011 من حوار مسلسل للإعلامي المغربي محمد بن ددوش مع صحيفة المساء

(12): مصطفى العلوي: الأمريكيون يواخذون المغاربة على التهاون ـ ركن الحقيقة الضائعة بجريدة الأسبوع الصحفي منشور بتاريخ 19 أكتوبر 2014 على رابط موقع الصحيفة الإلكتروني:

الحـقــيقة الضــــائعة | الأمريكيون يواخذون المغاربة على التهاون

(13): يمكن الاطلاع على تسجيل لحوار للملك الراحل الحسن الثاني مع التلفزيون الفرنسي يوضح فيه موقفه من الحرب العراقية الإيرانية والصراع السني الشيعي، على الرابط:

(14): حوار مسلسل للداعية الإسلامي محمد الفزازي مع صحيفة المساء حلقة يوم 8 يوليوز 2011.

(15): نفس المصدر

(16): شبكة بليرج .. القصة الكاملة، موقع مغرس نقلا عن صحيفة المساء

http://www.maghress.com/almassae/12378

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.